في تطور دراماتيكي لم يكن يتوقعه أكثر المحللين تفاؤلاً، تشير التقارير الواردة في مطلع عام 2026، وعلى رأسها ما نشرته وكالة “أسوشيتد برس”، إلى أن الإدارة الأمريكية بدأت بالفعل في وضع اللبنات الأولى لإعادة فتح سفارتها في العاصمة السورية دمشق.
هذا التحول ليس مجرد إجراء بروتوكولي أو دبلوماسي عابر، بل هو إعلان صريح عن انتهاء حقبة “تغيير النظام”، وبدء مرحلة “التعامل الواقعي” مع خارطة القوى على الأرض.
إن العودة الأمريكية إلى دمشق تعني بالضرورة إعادة تعريف كاملة لقواعد الاشتباك في المنطقة، حيث تسعى واشنطن من خلال هذه الخطوة إلى استعادة دورها المفقود في صياغة مستقبل سوريا، بعد أن تركت الساحة لسنوات طويلة تحت الهيمنة الروسية والإيرانية المطلقة.
تحجيم النفوذ الإيراني والروسي
تدرك واشنطن أن غيابها الدبلوماسي عن دمشق طوال السنوات الماضية قد منح طهران وموسكو فرصة ذهبية لتوطيد نفوذهما في مفاصل الدولة السورية الحيوية، لذا تأتي الرغبة في العودة كأداة لكسر هذا الاحتكار الاستراتيجي.
إن الهدف الرئيسي من إعادة فتح السفارة هو إيجاد ثقل موازن للنفوذ الروسي، الذي يسيطر على القواعد العسكرية البحرية والجوية، والحد من التغلغل الإيراني الذي يمتد من البنية التحتية إلى التشكيلات العسكرية الرديفة.
بوجود قنوات اتصال مباشرة، تأمل واشنطن في إغراء دمشق ببدائل اقتصادية ودبلوماسية قد تدفعها تدريجياً لتقليص اعتمادها الكلي على “حلفاء الضرورة” في طهران وموسكو، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية التي تضرب جميع الأطراف.
إن التقارب الأمريكي السوري، إذا ما اكتملت فصوله، سيشكل ضربة قاصمة للاستراتيجية الإيرانية التي تعتمد على سوريا كجسر بري حيوي يصلها بلبنان والبحر المتوسط.
فدخول واشنطن على خط التفاهمات المباشرة مع دمشق قد يتضمن شروطاً تتعلق بتقليص الوجود العسكري الإيراني مقابل تخفيف العقوبات، مثل “قانون قيصر”، أو البدء في عمليات إعادة الإعمار.
أما بالنسبة لروسيا، فإن العودة الأمريكية تعني أن موسكو لم تعد اللاعب الوحيد القادر على حماية النظام أو التحدث باسمه دولياً، مما يفتح الباب أمام منافسة جيوسياسية شرسة داخل أروقة العاصمة السورية، تعيد توزيع الحصص والنفوذ بين القوى الكبرى بشكل لم نعهده منذ عام 2011.
أبعاد الاستراتيجية والردع القادم
لا يمكن فصل هذا التوجه الدبلوماسي الجديد عن استراتيجية الردع الشاملة التي تنتهجها الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط في عام 2026، حيث تسعى لتقليل نقاط الاحتكاك العسكري مقابل زيادة التأثير السياسي.
إن التخطيط لفتح السفارة يتزامن مع رغبة أمريكية في ضمان أمن الممرات المائية وأمن حلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم إسرائيل، من خلال تحويل سوريا من ساحة مواجهة مفتوحة إلى “دولة عازلة” تتمتع بقدر من الاستقرار تحت رقابة دولية مشتركة.
هذا النوع من “الدبلوماسية الخشنة” يهدف إلى حرمان إيران من استخدام الأراضي السورية كمنصة تهديد دائمة، وفي الوقت نفسه يوفر لواشنطن منصة مراقبة متقدمة لرصد التحركات الروسية في شرق المتوسط عن كثب.
علاوة على ذلك، يمثل هذا التحول اعترافاً أمريكياً ضمنياً بفشل سياسة العقوبات القصوى في تحقيق نتائج سياسية ملموسة فيما يخص تغيير التوجهات الاستراتيجية لدمشق.
لذا، فإن الانتقال إلى مرحلة “الاشتباك الدبلوماسي” يمنح واشنطن أوراق ضغط جديدة، مثل ملف المساعدات الإنسانية، وملف إعادة الإعمار، والاعتراف الشرعي، وهي أوراق لا تملكها طهران، ولا تستطيع موسكو تمويلها بمفردها.
إن قواعد اللعبة تتغير الآن من القوة الصلبة التي تمثلت في القواعد العسكرية في التنف وشرق الفرات، إلى القوة الناعمة والدبلوماسية التي تهدف إلى تفكيك التحالفات التاريخية لدمشق من الداخل، وهو تحدٍّ كبير سيختبر مدى متانة الحلف السوري الإيراني الروسي في مواجهة الإغراءات الأمريكية.
دوافع واشنطن للانعطاف المفاجئ
تتعدد الأسباب التي دفعت الإدارة الأمريكية لهذا التغيير الجذري، ويأتي على رأسها الحاجة الملحّة للاستقرار في منطقة تعج بالأزمات المتفجرة. ترى واشنطن أن استمرار عزل سوريا لم يعد يخدم مصالحها الوطنية، بل يدفع دمشق للمزيد من الارتماء في الأحضان الصينية والإيرانية، وهو ما يتعارض مع استراتيجية “احتواء القوى المنافسة”.
كما أن الضغوط من بعض الحلفاء الإقليميين الذين أعادوا علاقاتهم بالفعل مع دمشق بدأت تؤتي ثمارها، حيث أقنعت هذه الدول واشنطن بأن الوجود الأمريكي المباشر في دمشق هو السبيل الوحيد لضمان عدم تحول سوريا إلى “دولة فاشلة” تهدد أمن المنطقة بأكملها عبر تصدير الأزمات أو المخدرات أو الميليشيات المسلحة.
رد الفعل الروسي الإيراني المتوقع
من المتوقع أن تتعامل موسكو وطهران مع هذه الأنباء بحذر شديد مشوب بالقلق؛ فبينما قد ترحب روسيا علناً بأي خطوة تضفي شرعية دولية على الوضع الراهن في سوريا، إلا أنها تدرك في الباطن أن الوجود الدبلوماسي الأمريكي سينافسها على عقود الاستثمار وإعادة الإعمار والقرار السياسي السوري.
أما إيران، فترى في أي تقارب سوري أمريكي خطراً وجودياً على نفوذها، خاصة إذا كان الثمن هو إخراج مستشاريها وميليشياتها من الأراضي السورية. لذلك، قد تلجأ طهران إلى تصعيد أمني في مناطق أخرى لتذكير جميع الأطراف بأنها لا تزال تملك مفاتيح القوة على الأرض، وأن تجاوزها في أي تسوية مع واشنطن سيكون له ثمن باهظ.
مستقبل الحل السياسي الشامل
إن إعادة فتح السفارة الأمريكية، إذا تحققت، ستكون القوة الدافعة لتحريك المياه الراكدة في العملية السياسية السورية المتعثرة منذ سنوات. قد نشهد تفعيلاً حقيقياً للقرارات الدولية، مثل القرار 2254، ولكن بصيغة معدلة تتناسب مع التوازنات الجديدة لعام 2026.
هذا المسار قد يفضي في النهاية إلى “حل وسط” يضمن بقاء الدولة السورية بكيانها الحالي، مقابل ضمانات أمنية لواشنطن وحلفائها، وتقليص تدريجي للنفوذ الأجنبي العسكري.
إننا أمام مشهد جديد يعيد تشكيل مفهوم السيادة والتحالفات، حيث تصبح دمشق ساحة للتفاوض الكوني بدلاً من أن تكون مجرد ساحة حرب بالوكالة، وهو ما يفتح باب الأمل أمام إنهاء معاناة الشعب السوري المستمرة منذ عقد ونصف.

