دخل المشهد السياسي في العراق عام 2026 منعطفًا هو الأخطر منذ سنوات، مع وصول رسائل تحذيرية أمريكية وصفت بـ “الحازمة وغير المسبوقة” ضد ترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، لمنصب رئاسة الوزراء.
فبينما كان الإطار التنسيقي يتجه لحسم ملف تشكيل الحكومة بعد مخاض عسير، جاء “الفيتو” الأمريكي من إدارة الرئيس الامريكي دونالد ترمب ليقلب الطاولة، ملوحاً باستخدام “كل الأدوات المتاحة”، بما فيها العقوبات الاقتصادية والسياسية، لمنع عودة المالكي إلى السلطة.
هذا التصعيد لا يعكس فقط رفضًا لشخص المالكي، بل يمثل استراتيجية أمريكية أوسع تهدف إلى منع تشكيل حكومة توصف بأنها “موالية لإيران بالكامل”، مما يضع القوى السياسية العراقية أمام اختبار وجودي: إما المضي بالترشيح ومواجهة عزلة دولية، أو الرضوخ للإملاءات الخارجية للحفاظ على شريان الحياة الاقتصادي.
سلاح العقوبات.. التهديد بـ “خنق” الشريان النفطي
لم تكن التهديدات الأمريكية هذه المرة مجرد تصريحات إعلامية، بل تضمنت “رسالة شفاهية” أبلغتها واشنطن لبغداد، تلمح صراحة إلى إمكانية فرض عقوبات تطال أفرادًا ومؤسسات، بل وقد تصل إلى إعادة النظر في آلية الوصول إلى عائدات النفط العراقية المودعة في الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك.
إن هذا النوع من التهديد يمثل “الخيار النووي” اقتصاديًا، حيث أن أي قيود على حركة الدولار نحو العراق ستؤدي إلى انهيار فوري في قيمة الدينار وعجز الدولة عن دفع الرواتب.
وترى واشنطن أن عودة المالكي، الذي تتهمه باتباع سياسات طائفية سابقة أدت إلى صعود “داعش” وتغلغل النفوذ الإيراني، ستعني نهاية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتوقف كامل للمساعدات العسكرية والتقنية التي تعتمد عليها القوات العراقية في ملاحقة الخلايا الإرهابية.
موقف إدارة ترامب.. “لا تكرار لتجارب الفشل”
تتبنى إدارة ترامب في عام 2026 موقفًا متشددًا يرفض “إعادة إنتاج نماذج حكم سابقة أثبتت فشلها”، وفقًا لتعبيرات وزارة الخارجية الأمريكية.
وقد صرح وزير الخارجية ماركو روبيو، بوضوح، أن المرحلة الحالية تتطلب قيادة عراقية قادرة على بناء “شراكة عملية ومستقرة” تضع مصالح العراق أولاً وتبقيه بعيدًا عن الصراعات الإقليمية.
وفي كواليس الضغوط، تشير التقارير إلى أن واشنطن منحت القوى السياسية “مهلة قصيرة” لسحب ترشيح المالكي والبحث عن “شخصية توافقية” تحظى بقبول محلي ودولي.
هذا الضغط العلني أثار ردود فعل متباينة داخل العراق؛ فبينما اعتبره ائتلاف دولة القانون “تدخلاً سافرًا في السيادة”، رأت قوى أخرى فيه جرس إنذار يستوجب تقديم التنازلات لتجنيب البلاد كارثة اقتصادية محققة.
انقسام الإطار التنسيقي والبحث عن “مرشح تسوية”
أحدثت الضغوط الأمريكية شرخًا واضحًا داخل “الإطار التنسيقي”، الكتلة الأكبر في البرلمان. فبينما يصر جناح المالكي على التمسك بحق الاستحقاق الانتخابي والسيادة الوطنية، بدأت أطراف أخرى داخل الإطار، تخشى من تداعيات العقوبات، بالتحرك نحو “الخطة ب”.
تبرز في هذا السياق أسماء مثل محمد شياع السوداني لولاية ثانية كخيار “أقل إثارة للجدل”، أو حيدر العبادي كـ “مرشح تسوية” يمتلك خبرة سابقة في التعامل مع واشنطن.
إن الصراع الحالي يتجاوز أسماء المرشحين ليمس “معادلة الحكم” في العراق؛ فواشنطن تريد رئيسًا للوزراء يستطيع موازنة العلاقة بين طهران وواشنطن، بينما يسعى الجناح المتشدد في الإطار إلى حسم التوجه نحو المحور الإقليمي، وهو ما يجعل من عملية اختيار البديل عملية بالغة التعقيد قد تستغرق أسابيع من المفاوضات الشاقة تحت ضغط “سيف العقوبات”.
العراق في مفترق طرق
يجد العراق نفسه مجددًا ضحية لتجاذبات القوى الدولية والإقليمية، حيث تحول منصب رئيس الوزراء من شأن داخلي إلى ملف صراع جيوسياسي.
إن تلويح واشنطن بالعقوبات بوجه ترشيح المالكي يضع “الإطار التنسيقي” أمام حقيقة مرة: السيادة الوطنية لا يمكن حمايتها في ظل اقتصاد مكشوف بالكامل للخارج.
وإذا ما أصرت القوى السياسية على خيارها الحالي، فإنها قد تقود البلاد نحو عزلة تشبه حقبة التسعينيات، أما إذا رضخت للضغوط، فإنها ستثبت أن القرار العراقي ما يزال يُصنع في العواصم الكبرى.
الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد وجهة العراق؛ فإما الذهاب نحو “حكومة مواجهة” تنتهي بانهيار مالي، أو اختيار “حكومة توازنات” تضمن بقاء العراق ضمن المنظومة الدولية، مع استمرار الجدل حول ثمن هذه التوازنات على حساب الاستقلال السياسي.

