عندما أعطى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إشارة البدء لما وصفها بـ “العملية العسكرية الخاصة” في فبراير 2022، كانت التقديرات في أروقة الكرملين تشير إلى غزو خاطف لا يستغرق سوى أيام معدودة، تنتهي بسقوط كييف وتغيير النظام السياسي فيها بما يخدم المصالح الاستراتيجية لموسكو.
لكن اليوم، ومع دخول الحرب عامها الرابع، تحول هذا الرهان إلى صراع استنزاف مرير، والأهم من ذلك، تحول إلى كابوس اقتصادي غير مسبوق بعدما نجحت أوروبا في تنفيذ حزمة العقوبات العشرين، التي تعتبر الأقسى والأشمل في تاريخ العلاقات الدولية الحديثة.
إن هذا التحول لم يكن مجرد فشل عسكري ميداني، بل كان سوء تقدير استراتيجي فادح للقدرة الأوروبية على التوحد والرد بحزم، حيث انتقلت القارة العجوز من مرحلة التبعية الطاقوية لروسيا إلى مرحلة القيادة الجيوسياسية التي تهدف إلى تجفيف منابع تمويل الآلة العسكرية الروسية بشكل نهائي وقطعي.
زلزال العقوبات العشرين وسد ثغرات الالتفاف
تمثل حزمة العقوبات العشرين التي أقرها الاتحاد الأوروبي مؤخراً ذروة الضغط الاقتصادي، حيث لم تعد تكتفي بفرض قيود عامة، بل انتقلت إلى مرحلة “الجراحة الدقيقة” لسد كافة الثغرات التي استغلتها موسكو خلال الأعوام الثلاثة الماضية عبر دول وسيطة أو شركات واجهة في آسيا والشرق الأوسط.
تركز هذه الحزمة بشكل أساسي على منع وصول التكنولوجيا المزدوجة التي تدخل في صناعة المسيرات والصواريخ، بالإضافة إلى فرض عقوبات صارمة على أي كيان دولي يساعد روسيا في الالتفاف على سقف أسعار النفط أو يسهل لها المعاملات المالية عبر أنظمة بديلة لنظام “سويفت”.
إن هذا الإصرار الأوروبي يعكس حقيقة أن رهان بوتين على “تعب الغرب” أو تخلخله الاقتصادي قد باء بالفشل، حيث أثبتت بروكسل أنها مستعدة لتحمل تكاليف الانفصال عن الغاز الروسي مقابل ضمان أمنها الاستراتيجي وكسر طموحات موسكو التوسعية في شرق القارة.
تآكل آلة الحرب وتكنولوجيا العزلة الروسية
لا تقتصر آثار العقوبات على الجانب المالي الصرف، بل امتدت لتضرب العمق الصناعي العسكري الروسي الذي بات يعاني من نقص حاد في الرقائق الإلكترونية والأنظمة البصرية المتقدمة التي كانت تستورد من الغرب.
ومع دخول الحزمة العشرين حيز التنفيذ، تجد المصانع الحربية الروسية نفسها مضطرة للعودة إلى تقنيات بدائية أو الاعتماد على تهريب كميات محدودة لا تكفي لتلبية احتياجات جبهات القتال المشتعلة، مما أدى إلى تراجع دقة الأسلحة الروسية وقدرتها على المناورة في الميدان.
هذا الكابوس التكنولوجي ترافق مع عزلة أكاديمية وعلمية، حيث أدى طرد روسيا من برامج التعاون البحثي الدولية إلى هجرة العقول وتوقف الابتكار، وهو ما يعني أن روسيا لا تخسر الحرب الحالية فحسب، بل تخسر قدرتها على المنافسة العسكرية والتقنية في المستقبل البعيد، مما يجعل من “الغزو الخاطف” بداية لنهاية العصر الذهبي للقوة العسكرية الروسية كما عرفها العالم.
تحول العقيدة الأوروبية وولادة القطب الدفاعي الجديد
أدت الحرب الأوكرانية إلى تحول تاريخي في العقيدة الدفاعية والسياسية للاتحاد الأوروبي، حيث تحولت دول مثل ألمانيا من سياسة “الحوار التجاري” مع موسكو إلى سياسة “الردع العسكري والاقتصادي”.
الحزمة العشرون من العقوبات لم تكن لتمر لولا هذا التغير الجذري في الوعي الجمعي الأوروبي الذي بات يرى في بوتين تهديداً وجودياً لا يمكن التعايش معه.
لقد نجحت أوروبا في إعادة تعريف أمن الطاقة عبر تنويع المصادر والاعتماد على الطاقة الخضراء والغاز المسال، مما سلب موسكو أهم أوراق ضغطها التي كانت تستخدمها لابتزاز العواصم الأوروبية.
وبذلك، تحول الرهان الروسي على انقسام أوروبا إلى عامل توحيد غير مسبوق، حيث أصبحت القارة العجوز اليوم أكثر تماسكاً وتصميماً على المضي قدماً في دعم كييف حتى استعادة كامل سيادتها، معتبرة أن كلفة الاستسلام لأطماع الكرملين ستكون أغلى بكثير من كلفة العقوبات الاقتصادية.
التداعيات الاجتماعية والاقتصادية في الداخل الروسي
في الداخل الروسي، وبغض النظر عن الخطاب الدعائي الرسمي الذي يحاول إظهار الاقتصاد بمظهر الصامد، فإن الواقع المعيشي يحكي قصة مختلفة تماماً في ظل الحزمة العشرين وما سبقها. تعاني الأسواق الروسية من تضخم جامح وتراجع في جودة المنتجات، فضلاً عن فقدان ملايين الوظائف في القطاعات المرتبطة بالشركات الدولية التي غادرت البلاد.
الضغط المستمر من العقوبات أدى إلى تآكل صندوق الرفاه الوطني الروسي الذي كان يُستخدم لسد عجز الموازنة، مما دفع الحكومة إلى فرض ضرائب استثنائية على الشركات الكبرى وتقليص الإنفاق على الخدمات الاجتماعية لصالح المجهود الحربي.
هذا الاستنزاف الداخلي يخلق تململاً صامتاً بين النخب ورجال الأعمال الذين فقدوا وصولهم إلى الأسواق العالمية وأصولهم في الخارج، مما يجعل رهان بوتين على الولاء المطلق للجبهة الداخلية محل اختبار حقيقي مع استمرار كابوس العقوبات الذي يبدو أنه لا يملك مفتاحاً للنهاية سوى الانسحاب الكامل من الأراضي الأوكرانية.
نهاية الرهان وبداية الحساب
يمكن القول إن رهان بوتين على غزو خاطف يحقق له أمجاداً تاريخية قد تحول إلى أكبر فخ استراتيجي في تاريخ روسيا المعاصر. إن الحزمة العشرين من العقوبات الأوروبية ليست مجرد رقم في سلسلة إجراءات، بل هي رسالة نهائية بأن العالم لن يعود إلى ما قبل فبراير 2022، وأن ثمن الحرب سيكون عزلة دائمة وتراجعاً اقتصادياً قد يستغرق عقوداً للتعافي منه.
لقد أراد بوتين إضعاف الناتو فجعل السويد وفنلندا أعضاء فيه، وأراد تقسيم أوروبا فوحدها خلف حزم عقوبات خانقة، وأراد محو أوكرانيا فجعلها رمزاً للصمود العالمي.
اليوم، يقف الكرملين أمام حقيقة مرة؛ وهي أن “الموت البطيء” للاقتصاد الروسي تحت وطأة العقوبات المستمرة بات أمراً واقعاً، وأن التاريخ سيسجل أن رهان “الغزو الخاطف” كان الخطأ الذي كلف روسيا مستقبلها ومكانتها كقوة عظمى في النظام الدولي.

