عادت لغة “الخيار العسكري” لتتصدر التصريحات الرسمية في تل أبيب، حيث أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في أحدث تصريحاته خلال فبراير 2026، أن قطاع غزة لن يشكل تهديدًا لإسرائيل مرة أخرى، مشددًا على أن “نزع سلاح حماس بشكل كامل” هو المطلب الوحيد لتفادي حرب شاملة جديدة.
وتأتي هذه التهديدات في وقت يوثق فيه المراقبون مئات الخروقات لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم في أكتوبر 2025، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عمليات القصف الموضعي ونسف المبانى في المناطق الحدودية، مما جعل “الهدنة” مجرد حبر على ورق بالنسبة لآلاف النازحين الذين يواجهون الموت والبرد تحت ركام منازلهم المهدمة.
معضلة “نزع السلاح” وتعثر المرحلة الثانية
تتمحور الأزمة الراهنة في فبراير 2026 حول ما يُعرف بـ “المرحلة الثانية” من اتفاق السلام الأمريكي-العربي، والتي تتضمن بنودًا شائكة تتعلق بتفكيك البنية العسكرية للفصائل الفلسطينية.
وبينما تصر إسرائيل على أن السلاح الاستراتيجي لحماس، وعلى رأسه “شبكة الأنفاق”، يجب أن يتم تدميره بالكامل قبل البدء في أي عملية إعادة إعمار حقيقية، ترى المقاومة في غزة أن التخلي عن السلاح في ظل استمرار الاحتصار والانتهاكات هو بمثابة استسلام غير مقبول.
هذا الانسداد في الأفق السياسي دفع إسرائيل للتلويح بأن “ساعة الصفر” قد اقتربت، محملة الفصائل مسؤولية أي تصعيد قادم، في حين تشير التقارير الميدانية إلى أن جيش الاحتلال قد أتم بالفعل وضع الخطط العملياتية لاحتلال كامل القطاع في حال فشلت الضغوط الدبلوماسية في نزع السلاح طوعًا.
خروقات الهدنة وتداعياتها الإنسانية الكارثية
لم تكن الهدنة في مطلع 2026 سوى استراحة محارب قصيرة لم تخفف من وطأة المعاناة الإنسانية، حيث وثقت تقارير حقوقية وقوع أكثر من 1600 خرق إسرائيلي خلال الأشهر الأربعة الأخيرة.
وشملت هذه الخروقات غارات جوية استهدفت دراجات نارية وتجمعات للمواطنين، بالإضافة إلى تشديد القيود على معابر غزة ورفح؛ مما أدى إلى تدهور خطير في المنظومة الصحية ونقص حاد في المستلزمات الطبية.
إن استمرار هذه السياسة “الأحادية” يهدف إلى ممارسة أقصى درجات الضغط الشعبي على المقاومة، إلا أن النتيجة كانت عكسية، حيث زادت من حالة الغليان الشعبي والالتفاف حول خيار الصمود، مما يجعل أي عملية عسكرية قادمة مواجهة دموية قد تطول أمدها وتؤدي إلى خسائر بشرية غير مسبوقة في صفوف المدنيين العزل.
سيناريوهات المواجهة ومستقبل الأمن الإقليمي
أمام إصرار تل أبيب على “الخيار العسكري”، تبرز عدة سيناريوهات رئيسية لمستقبل غزة في عام 2026 الأول هو رضوخ إسرائيل لضغوط واشنطن والوسطاء العرب للمضي قدمًا في خطة “نزع السلاح التدريجي” مقابل ضمانات سياسية بإقامة دولة فلسطينية، وهو مسار يبدو بعيد المنال حاليًا و السيناريو الثاني يتمثل في شن عملية عسكرية واسعة تهدف إلى “تطهير” المناطق الحدودية وتدمير الأنفاق، مع البقاء العسكري في نصف القطاع، وهو ما قد يفجر جبهات أخرى مثل حزب الله في لبنان.
إن “الخيار العسكري” الذي تلوح به تل أبيب في فبراير 2026 ليس مجرد مناورة، بل هو إستراتيجية تهدف إلى تغيير قواعد الاشتباك بشكل نهائي ومع تمسك الفصائل الفلسطينية بحقها في الدفاع والمقاومة، يبقى الرهان الوحيد على قدرة المجتمع الدولي على لجم هذا التصعيد وفرض حل سياسي عادل ينهي الاحتلال والحصار، لأن أي انفجار جديد في غزة لن تقتصر شظاياه على حدود القطاع، بل ستمتد لتشعل المنطقة بأكملها في صراع لا يمكن لأحد التنبؤ بنهايته.

