تشهد الساحة التونسية في الآونة الأخيرة حالة من الغليان الصامت والترقب الحذر، حيث عاد ملف المعتقلين السياسيين ليحتل صدارة المشهد العام، فارضًا نفسه كأولوية قصوى لا تقبل التأجيل في أجندة النقاش الوطنية.
هذا الملف، الذي ظل عالقًا في أروقة المحاكم ودهاليز السياسة لأشهر طويلة، بدأ يتخذ أبعادًا جديدة مع تزايد وتيرة الحراك الشعبي والضغط الحقوقي، مما رفع سقف التوقعات لدى الشارع التونسي الذي بات يحلم بـ “انفراجة كبرى” تنهي حالة الانقسام الحاد.
إن المتأمل في تفاصيل المشهد التونسي يدرك أن “حلم العودة” ليس مجرد شعار عاطفي ترفعه عائلات الموقوفين، بل هو تعبير عن رغبة جماعية في تجاوز مرحلة التأزم والبحث عن مخرج سياسي وقانوني يضمن استقرار البلاد ويحفظ حقوق الأفراد في ظل دولة القانون والمؤسسات.
جذور الأزمة وتراكمات الملف القضائي المعقد
بدأت ملامح هذه الأزمة منذ موجة الاعتقالات التي شملت شخصيات سياسية بارزة، ونشطاء، ومحامين، ورجال أعمال، تحت تهم تراوحت بين “التآمر على أمن الدولة” وقضايا فساد مالي، وصولاً إلى قضايا تتعلق بحرية التعبير والنشر.
وعلى مدار الفترة الماضية، ظل القضاء التونسي هو الساحة الأساسية للصراع، حيث ترى السلطة أن الإجراءات قانونية وضرورية لحماية الدولة من الفوضى والتهديدات، بينما تصر هيئات الدفاع والمنظمات الدولية على أن الملفات تفتقر إلى أدلة مادية ملموسة وتصنفها في خانة “تصفية الحسابات السياسية” التي تهدف لتحجيم المعارضة.
هذا التباين الحاد في القراءة القانونية والسياسية هو ما أدى إلى تعقيد المشهد بشكل غير مسبوق، وجعل من عملية الإفراج عن المعتقلين قضية رأي عام تتجاوز الحدود المحلية لتصل إلى مكاتب المنظمات الحقوقية الكبرى في جنيف وواشنطن وبروكسل، مما وضع السلطة التونسية أمام اختبار حقيقي لمصداقية المسار الإصلاحي الذي تنتهجه منذ سنوات.
تصاعد الحراك الشعبي وضغوط المنظمات الحقوقية
لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي لعبه الشارع التونسي في إبقاء هذه القضية حية في الذاكرة الجمعية، حيث تحولت الوقفات الاحتجاجية الأسبوعية من تحركات رمزية صغيرة إلى تظاهرات ذات ثقل سياسي تجمع أطيافًا متنوعة من المعارضة والمستقلين المطالبين بالعدالة.
هذا “الحراك الميداني” الذي تقوده جبهات سياسية وعائلات المعتقلين نجح في تحويل قضية الموقوفين من مجرد ملف تقني وقانوني جاف إلى قضية إنسانية ووطنية تمس شريحة واسعة من المجتمع التونسي التواق للاستقرار.
وترافق هذا التحرك مع ضغط حقوقي مكثف من قبل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ونقابة المحامين، اللتين حذرتا مرارًا من تداعيات استمرار الاعتقالات المطولة دون محاكمات عادلة أو سقف زمني واضح، مؤكدة أن “سلب الحرية” هو إجراء استثنائي لا يجب أن يتحول إلى قاعدة دائمة، وأن إطالة أمد بقاء الموقوفين خلف القضبان دون حسم قضائي يضعف هيبة الدولة ويهز ثقة المواطن في نزاهة المرفق القضائي واستقلاليته.
دلالات التوقيت والمؤشرات السياسية للانفراجة
يربط العديد من المحللين السياسيين في تونس بين إمكانية حدوث انفراجة في ملف المعتقلين وبين الاستحقاقات السياسية القادمة والوضع الاقتصادي الضاغط الذي تمر به البلاد حاليًا.
فالدولة التونسية، التي تسعى لتثبيت دعائم استقرارها والحصول على دعم دولي واسع لمواجهة أزمتها المالية، تدرك جيدًا أن ملف الحقوق والحريات هو “البوابة الإجبارية” لتحسين صورتها الخارجية وتخفيف حدة الانتقادات الدولية التي قد تعيق مسار القروض والمساعدات.
وفي كل الحالات، يبدو أن مفتاح الحل يكمن في وجود إرادة سياسية حقيقية توازن بين مقتضيات القانون وضرورات السلم الاجتماعي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن استمرار “الوضع القائم” قد يؤدي إلى مزيد من الاحتقان وتراجع مؤشرات الثقة في مؤسسات الدولة.
آمال العائلات وتحديات العودة للواقع المعيش
خلف لغة السياسة وأرقام الملفات الجافة، تظل هناك مأساة إنسانية تعيشها عائلات المعتقلين التي تترقب كل خبر أو إشاعة قد تبشر بعودة ذويهم إلى أحضانهم مجددًا.
إن نجاح أي انفراجة مرتقبة يعتمد بشكل أساسي على قدرة السلطة والمعارضة على التوصل إلى “أرضية مشتركة” تنهي حالة التشفي والخصومة الصفرية، وتؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الحوار البناء هو الأداة الوحيدة لحل الخلافات، بعيدًا عن أقبية السجون ومنصات القضاء، ليبقى الأمل معلقًا على الأيام القادمة وما قد تحمله من قرارات شجاعة قد تغير مسار التاريخ الحديث للجمهورية التونسية.

