مع دخول الصراع السوداني عامه الثالث في 2026، برزت استراتيجية “سلاح الجوع” كواحدة من أكثر الأدوات فتكًا وتأثيرًا في مسار المواجهات الميدانية.
حيث تشير التقارير الحقوقية الميدانية إلى أن الجيش السوداني، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يعتمد سياسة صارمة في التحكم بالمعابر الحدودية والمنافذ الحيوية لضمان عدم وصول الإمدادات لمناطق القوى المعارضة.
هذا النهج لم يعد مجرد إجراء أمني احترازي، بل تحول وفقًا لمصادر إلى عملية “تسييس وعسكرة” ممنهجة لعمليات الإغاثة، حيث يتم ربط السماح بمرور الشاحنات الإنسانية بمدى الولاء السياسي أو التفاهمات الميدانية.
إن السيطرة المطلقة على ميناء بورتسودان، الذي يعد الرئة الوحيدة المتبقية للبلاد، مكنت السلطات العسكرية من فرض رقابة مشددة على كل ما يدخل السودان؛ مما أدى إلى تكدس آلاف الأطنان من المواد الغذائية والطبية تحت ذريعة الفحص الأمني، بينما يواجه ملايين النازحين في دارفور وكردفان خطر الموت جوعًا بسبب هذه العوائق البيروقراطية والعسكرية المتعمدة التي تهدف إلى إنهاك “الحواضن الاجتماعية” للخصوم.
المعابر الحدودية.. صراع السيادة على جثث الجياع
تمثل قضية معبر “أدري” الحدودي مع تشاد نموذجًا صارخًا لكيفية استخدام الجغرافيا والسيادة كسلاح في الحرب، فقد شهد عام 2025 سجالاً طويلاً بين المنظمات الأممية والقيادة العسكرية في بورتسودان حول فتح هذا المعبر الحيوي الذي يغذي إقليم دارفور المنكوب.
ورغم الضغوط الدولية المكثفة، ظلت سلطات الجيش تتعامل مع فتح المعابر كـ”تنازل سيادي” لا تمنحه إلا بشروط قاسية؛ مما أدى في محطات عديدة إلى توقف شريان الحياة عن مناطق كاملة تعاني من “المجاعة من المرحلة الخامسة”.
وترى مصادر، أن الجيش يخشى من تحول قوافل الإغاثة إلى غطاء لنقل الأسلحة أو الوقود لخصومه، لكن هذا التبرير الأمني يقابله واقع إنساني مرير يتمثل في ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال إلى مستويات قياسية.
وقالت: إن تحويل المعابر من نقاط عبور إنسانية إلى أدوات للمساومة السياسية يعكس عمق الأزمة الأخلاقية في النزاع، حيث أصبح “الرغيف” أغلى ثمنًا من الرصاص، وصار التحكم في مسارات الشاحنات جزءًا لا يتجزأ من غرف العمليات العسكرية التي تسعى لحسم المعركة عبر إنهاك المدنيين وتجويعهم حتى الاستسلام.
التداعيات الكارثية ومستقبل المحاسبة الجنائية
إن استمرار “سلاح الجوع” في السودان يمهد الطريق لسيناريوهات كارثية قد لا تنتهي بانتهاء المعارك العسكرية؛ فالشرخ الاجتماعي الذي تسبب فيه الحصار والتجويع الممنهج لولايات بعينها سيترك جروحًا غائرة في النسيج الوطني.
وعلى الصعيد الدولي، بدأت أصوات حقوقية تطالب بوضوح بضرورة إدراج “عرقلة المساعدات وتجويع المدنيين” ضمن ملفات جرائم الحرب التي تنظر فيها المحكمة الجنائية الدولية، معتبرة أن البرهان يتحمل المسؤولية الجنائية المباشرة عن الوفيات الناجمة عن نقص الغذاء والدواء.
إن الضغط الشعبي والدولي المتزايد في فبراير 2026 يشير إلى أن ملف “عسكرة الإغاثة” قد يكون هو القشة التي تقصم ظهر الشرعية الدولية التي تحاول سلطة بورتسودان التمسك بها.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال معلقًا، هل سينجح المجتمع الدولي في فرض ممرات إنسانية “فوق سيادية” لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم سيبقى السودانيون ضحية لمعادلة صفرية تستخدم أمعاءهم الخاوية كأرض لمعركة لا يبدو أنها ستنتهي قريبًا؟
إن كسر “عقدة” سلاح الجوع يتطلب ما هو أكثر من مجرد إدانات، بل يحتاج إلى آلية تنفيذية صارمة تخرج الرغيف من فوهة البندقية.

