تمثل لحظة انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر عام 2021 النقطة المفصلية التي بدأ فيها الفريق أول عبد الفتاح البرهان رحلة إعادة تمكين عناصر النظام البائد، حيث كانت الخطوة الأولى هي تفكيك لجنة “إزالة التمكين” التي كانت تهدف لتطهير مؤسسات الدولة من فساد عهد البشير.
وفي عام 2026، تظهر النتائج الكارثية لهذا التحول، حيث تم استبدال الكوادر المهنية والمدنية بقيادات إخوانية كانت قد أُبعدت بقرار شعبي، ليعودوا إلى مناصب حساسة في القضاء، والخدمة المدنية، والبعثات الدبلوماسية.
هذا المسار لم يكن وليد الصدفة، بل كان جزءًا من “صفقة بقاء” غير معلنة، سعى من خلالها البرهان لتوفير حاضنة سياسية وقاعدة إدارية قادرة على تثبيت أركان حكمه، مقابل حماية مصالح الحركة الإسلامية وتوفير غطاء قانوني لها للعودة إلى صدارة المشهد السياسي تحت ذريعة “استعادة هيبة الدولة”.
كتائب الظل والجيش
مع اندلاع المواجهات العسكرية في أبريل 2023 واستمرارها حتى عام 2026، انتقل التمكين من المكاتب الإدارية إلى جبهات القتال، حيث ظهرت “كتائب الظل” الإخوانية والميليشيات المؤدلجة مثل “كتيبة البراء بن مالك” كشريك ميداني أساسي للقوات المسلحة.
إن جرائم البرهان في هذا الصدد تكمن في شرعنة وجود هذه التنظيمات المسلحة ودمجها في العمليات القتالية، مما أدى إلى صبغ النزاع بصبغة عقائدية متطرفة أبعدت فرص الحل السلمي.
هذه الميليشيات لا تقاتل فقط من أجل “الدولة”، بل تقاتل من أجل حماية وجودها التنظيمي، مستخدمة إمكانيات الجيش اللوجستية والمالية لتعزيز قوتها.
هذا التداخل الخطير أدى إلى إضعاف الروح المهنية للقوات المسلحة، وجعل القرار العسكري رهينة لأجندات تنظيمية تسعى لاستمرار الحرب كخيار وحيد لتجنب المحاسبة على جرائم الماضي، مما فاقم من معاناة المدنيين الذين وقعوا بين مطرقة القصف وسندان التصفية العرقية والسياسية.
آثار الحرب على الدولة
لقد تجاوزت جرائم البرهان وحلفائه من الإخوان حدود الصراع السياسي لتصل إلى تدمير النسيج الاجتماعي السوداني، حيث استند خطاب التمكين الجديد إلى التحريض العرقي والمناطقي لتعبئة “المستنفرين”.
في مناطق مثل ولاية الجزيرة ودارفور، وثّقت تقارير عام 2026 انتهاكات جسيمة ارتكبتها قوات محسوبة على هذا التحالف، استهدفت مجموعات سكانية بعينها تحت دعاوى “التخوين” أو التعاون مع الخصوم.
إن إعادة تمكين النظام البائد تعني بالضرورة إعادة إنتاج استراتيجياته القديمة في “فرّق تسد”، وهو ما دفع السودان نحو حافة الحرب الأهلية الشاملة.
هذا الخطاب الإقصائي لم يترك مكانًا لصوت العقل أو المبادرات المدنية، بل جعل من الولاء للتنظيم أو للقيادة العسكرية الحالية معيارًا وحيدًا للمواطنة، مما أدى إلى تهجير الملايين قسريًا وتدمير البنية التحتية للحياة الاجتماعية والتعايش التي صمدت لقرون.
المسؤولية الجنائية والدولية
مع تزايد الأدلة في عام 2026، بدأت المحافل الدولية في توجيه اتهامات مباشرة للبرهان وقادة في الحركة الإسلامية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تشمل القصف العشوائي للمدنيين، والتهجير القسري، واستخدام التجويع كسلاح في المعركة.
إن رحلة التمكين التي بدأت بالانقلاب وانتهت بالحرب وضعت السودان في عزلة دولية غير مسبوقة، حيث ترفض القوى العظمى والمنظمات الحقوقية الاعتراف بشرعية سلطة تعتمد على ميليشيات إرهابية في بقائها.
إن محاسبة هؤلاء القادة باتت مطلبًا شعبيًا ودوليًا، حيث لا يمكن تحقيق سلام مستدام دون تحقيق العدالة للضحايا الذين سقطوا منذ فض اعتصام القيادة العامة وصولًا إلى مذابح الحرب الحالية. إن الارتباط الوثيق بين “النظام البائد” والقيادة العسكرية الحالية يجعل من الصعب الفصل بين مسؤولية الطرفين عن الانهيار الشامل الذي أصاب الدولة السودانية.
مستقبل السودان والحل المنشود
وترى مصادر أن المخرج الوحيد للسودان من هذا النفق المظلم يبدأ بفك الارتباط العضوي بين قيادة الجيش السوداني وعناصر النظام البائد.
وقالت إن استعادة الدولة تتطلب عملية “جراحية” سياسية تعيد الجيش إلى ثكناته والسياسيين إلى صناديق الاقتراع، مع استبعاد كافة الوجوه التي تلوثت أيديها بدماء السودانيين أو تورطت في نهب مقدراتهم خلال العقود الثلاثة الماضية.
واختتمت المصادر أن المقاومة المدنية التي بدأت في 2018 لا تزال تمثل الجذوة الحقيقية للتغيير، وهي الوحيدة القادرة على صياغة مشروع وطني يتجاوز “فخ التمكين” الذي نصبه البرهان وحلفاؤه، وإن بناء جيش وطني مهني موحد لا يدين بالولاء للأفراد أو التنظيمات هو الضمانة الوحيدة لمنع تكرار سيناريو الانقلابات والحروب العبثية التي مزقت البلاد.

