تعيش الساحة اللبنانية حالة من الغليان السياسي والعسكري غير المسبوقة، حيث فرضت القوى الدولية مسارًا تفاوضيًا جديدًا يرتكز بشكل أساسي على إخلاء منطقة جنوب نهر الليطاني من أي تواجد مسلح أو بنية تحتية عسكرية تابعة لحزب الله.
هذه المعادلة، التي يطلق عليها “مسار شمال الليطاني”، لم تعد مجرد مطلب إسرائيلي تقليدي، بل تحولت إلى شرط دولي حازم تدعمه الولايات المتحدة وفرنسا لضمان عدم انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية شاملة.
إن إرباك حسابات حزب الله العسكرية نبع من كون هذه المنطقة تمثل “المدى الحيوي” لعملياته الهجومية والدفاعية، وبناء شبكة معقدة من الأنفاق والمنصات الصاروخية على مدار عقدين من الزمن، وإن التراجع إلى شمال النهر يعني بالضرورة فقدان الميزة الجغرافية التي تمنحه القدرة على “الالتحام المباشر” وتهديد مناطق الجليل، مما يضع الحزب أمام معضلة وجودية: إما القبول بالانكفاء الجغرافي مقابل حماية كوادره، أو الدخول في مواجهة مفتوحة قد تدمر ما تبقى من بنية تحتية في لبنان.
الارتباط العضوي بمفاوضات طهران
لا يمكن فصل الارتباك العسكري لحزب الله في جنوب لبنان عن الحراك الدبلوماسي المكثف الذي تشهده مسقط وروما بين طهران وواشنطن بخصوص الملف النووي والباليستي الإيراني.
وتشير التقارير الاستخباراتية المسربة في فبراير 2026، أن إيران، الساعية لرفع العقوبات الاقتصادية الخانقة، بدأت تبدي مرونة “مقلقة” لحزب الله بخصوص ترتيبات جنوب لبنان، حيث تدرس طهران إمكانية تقديم تنازلات تتعلق بتموضع الحزب العسكري مقابل الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية مباشرة.
“البراغماتية الإيرانية” أحدثت هزة في صفوف قيادة الحزب في بيروت، التي تجد نفسها لأول مرة منذ عام 2006 أمام ضغوط مزدوجة؛ ضغط الميدان الذي تفرضه المسيرات المتطورة والرقابة التقنية الدولية، وضغط الحليف الاستراتيجي الذي قد يضحي بـ “الورقة اللبنانية” لتأمين استقرار نظامه الداخلي.
إن معادلة شمال الليطاني باتت تشكل اختبارًا حقيقيًا لمدى استقلالية قرار الحزب العسكري في مواجهة الأجندات الإقليمية الكبرى.
التداعيات الميدانية والسياسية
في حال نجاح الضغوط الدولية في فرض انسحاب حزب الله إلى شمال الليطاني، تبرز معضلة “من سيملأ الفراغ؟” كواحدة من أعقد القضايا الأمنية لعام 2026.
وتطالب القوى الكبرى بتعزيز انتشار الجيش اللبناني بشكل مكثف وزيادة صلاحيات قوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل) لتشمل عمليات التفتيش والمداهمة والرقابة التقنية الدائمة.
هذا المطلب يضع الجيش اللبناني في موقف محرج؛ فهو من جهة لا يمتلك الإمكانيات اللوجستية والمالية الكافية للقيام بهذه المهمة الضخمة، ومن جهة أخرى يخشى من الصدام المباشر مع البيئة الحاضنة للحزب في القرى الجنوبية.
إن مسار “شمال الليطاني” يهدف إلى خلق “منطقة أمنية عازلة” تحت إشراف دولي صارم، وهو ما يعتبره حزب الله انتقاصًا من السيادة الوطنية وكسرًا لمعادلة “الجيش والشعب والمقاومة” ومع ذلك، فإن الانهيار الاقتصادي اللبناني والضغط الشعبي المطالب بتجنب الحرب قد يدفع الدولة اللبنانية لقبول هذه الترتيبات كـ “شر لابد منه” لاستعادة الاستقرار وجلب الاستثمارات الخارجية.
خريف القواعد القديمة
إن معادلة شمال الليطاني تعلن رسميًا نهاية حقبة “قواعد الاشتباك” التي سادت منذ عام 2006؛ فالعالم في عام 2026 لم يعد يقبل بأنصاف الحلول على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وإن حزب الله، الذي أربكته التطورات الأخيرة، يحاول الآن المناورة عبر تقديم عروض بـ “إعادة انتشار صامتة” أو نقل الأسلحة الثقيلة فقط مع بقاء الوجود الاستخباراتي، إلا أن الرقابة الدولية المشددة واستخدام الذكاء الاصطناعي في رصد التحركات العسكرية جعلت من “التمويه” أمراً شبه مستحيل.
سيبقى لبنان على صفيح ساخن طوال الأشهر القادمة، معلقًا بين حبال المفاوضات الإيرانية الأمريكية وبين واقع الميدان الضاغط.
إن القرار الذي سيتخذه الحزب بخصوص الليطاني لن يحدد مصير الجنوب فحسب، بل سيرسم وجه لبنان السياسي لسنوات طويلة قادمة، في ظل مشهد إقليمي جديد يتشكل على أنقاض التوازنات القديمة، حيث أصبحت الجغرافيا هي الحكم النهائي في صراع البقاء.

