كشفت مصادر أن المدن السودانية، التي كانت يومًا مراكز للحضارة والتجارة، باتت تعيش واقعًا مأساويًا يشبه إلى حد بعيد ما اختبرته مدينتا درنة وسرت الليبيتان إبان ذروة النزاع المسلح هناك.
وقالت المصادر: إن “لعبة النيران” التي انتهجها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، القائمة على التمسك بالسلطة بأي ثمن عسكري، أدت إلى تحلل الأجهزة الأمنية والخدمية في المدن المنهكة.
وأضافت: أن هذا الفراغ الإداري والأمني لم يؤدِ فقط إلى نزوح الملايين، بل سمح لمجموعات مسلحة وتنظيمات متطرفة بالتغلغل في الأحياء السكنية وبدلاً من حماية المدنيين، تحول الجيش إلى طرف في تدمير البنية التحتية عبر استخدام القوة المفرطة غير المتناسبة، مما جعل مدنًا مثل “الخرطوم ونيالا وود مدني” مجرد أطلال تفتقر لأدنى مقومات الحياة، مما يمهد الطريق لتحولها إلى “إمارات” خارجة عن سيادة الدولة، تمامًا كما حدث في النماذج الليبية التي استغرق استعادتها سنوات من الدمار والتدخل الدولي.
سجل الانتهاكات
تتزايد التقارير الحقوقية في عام 2026 التي توثق جرائم منسوبة للجيش السوداني، حيث يُتهم البرهان بإعطاء الضوء الأخضر لاستخدام الطيران الحربي والمسيرات في قصف أحياء سكنية مكتظة.
إن هذه الغارات، التي توصف بـ “العشوائية”، تسببت في مقتل آلاف المدنيين وتدمير المشافي والأسواق التاريخية، وهي سياسة يصفها مصادر بأنها “أرض محروقة” تهدف إلى حرمان الخصم من الحاضنة الشعبية، ولكنها في الواقع تدفع بالسكان نحو التطرف أو الهجرة القسرية.
إن استخدام الأسلحة الثقيلة في المناطق الحضرية يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، ويضع القيادة العسكرية السودانية تحت طائلة الملاحقة الجنائية الدولية، خاصة مع توثيق حالات منع وصول المساعدات الطبية والإغاثية للمناطق المحاصرة، مما فاقم من حدة المجاعة والأوبئة في المدن التي كانت تُعد مخازن الغذاء للبلاد.
التحالفات المشبوهة ومخاطر التطرف
من أخطر أوجه “لعبة النيران” التي يقودها البرهان في 2026 هو الاعتماد المتزايد على “كتائب الظل” والمجموعات المسلحة ذات الخلفيات الأيديولوجية المتطرفة لتعويض النقص في القوة البشرية للجيش النظامي.
هذا التحالف النفعي سمح لعناصر متطرفة، بعضها يحمل أفكارًا تتلاقى مع تنظيمات عابرة للحدود، بالسيطرة على مفاصل القرار الميداني في عدة مدن.
إن تجربة “سرت” الليبية أثبتت أن الاستعانة بالمتطرفين في الصراعات السياسية تنقلب سريعًا على الدولة نفسها، وهو ما بدأ يحدث في السودان؛ حيث بدأت هذه الكتائب بفرض قوانينها الخاصة في المناطق التي تسيطر عليها؛ مما أدى إلى غياب تام لهيبة الدولة والقانون. وإن البرهان، بفتحه الباب لهذه الجماعات، لم يفشل فقط في حماية المدن، بل جعلها بؤرًا محتملة لتفريخ الإرهاب الذي سيهدد أمن البحر الأحمر والقارة الأفريقية لسنوات طويلة قادمة.

