تعيش تونس في مطلع عام 2026 واحدة من أقسى الأزمات الصحية في تاريخها الحديث، حيث لم يعد نقص الأدوية الأساسية مجرد أزمة لوجستية مرتبطة بتعثر الصيدلية المركزية، بل تحول إلى “فرصة ذهبية” لسماسرة الأزمات والمضاربين الذين استغلوا حاجة المرضى الماسة للأدوية الحيوية.
لقد رصدت التقارير الميدانية وشكاوى المواطنين ظهور شبكات منظمة تقوم بسحب الأدوية المفقودة من القنوات الرسمية بأساليب ملتوية، ثم إعادة عرضها بأسعار تفوق ثمنها الحقيقي بأضعاف مضاعفة عبر منصات التواصل الاجتماعي أو في صيدليات سرية غير مرخصة.
إن هذا النوع من الاستغلال البشع يركز بشكل أساسي على أدوية الأمراض المزمنة مثل: الأنسولين، وأدوية السرطان، وأمراض القلب، حيث يجد المواطن التونسي نفسه مضطرًا للاختيار بين الموت أو الخضوع لابتزاز السماسرة الذين يتاجرون بآلامهم دون رادع قانوني أو أخلاقي كافٍ حتى الآن، مما خلق فجوة طبقية صحية تهدد السلم الاجتماعي الوطني.
آليات التلاعب بأسعار الدواء
تعتمد “مافيا الأدوية” في تونس على آلية معقدة لتعطيش السوق ورفع الأسعار؛ حيث يتم رصد الأدوية التي يتأخر توريدها من الخارج أو التي يشهد إنتاجها المحلي تعثرًا، ليقوم السماسرة بتخزين كميات كبيرة منها فور توفرها لفترات قصيرة، مما يؤدي إلى اختفائها المفاجئ من رفوف الصيدليات القانونية.
وعندما يصل المريض إلى حالة اليأس، يظهر “الوسيط” الذي يعرض الدواء بأسعار “سوداء” غير خاضعة لرقابة وزارة التجارة أو الصحة.
هذه العمليات لا تقتصر فقط على الأفراد، بل تورطت فيها بعض الأطراف داخل سلاسل التوزيع التي تضع مصلحتها المادية فوق المصلحة العامة.
إن ارتفاع الأسعار في السوق الموازية لم يعد مجرد زيادة طفيفة، بل وصل في بعض الأحيان إلى 400% من السعر الرسمي، مما جعل الأدوية المنقذة للحياة حكرًا على الأثرياء فقط، في حين يواجه الفقراء والموظفون ذوو الدخل المحدود مصيرًا مجهولاً نتيجة عجزهم عن مجاراة هذه الأسعار الفلكية التي فرضها المحتكرون.
مخاطر صحية وانهيار رقابي
إلى جانب الاستغلال المادي، يحمل نشاط السماسرة في تونس مخاطر صحية جسيمة تهدد حياة المواطنين؛ إذ أن الأدوية التي يتم تداولها في السوق السوداء تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط التخزين والنقل السليمة، كما أن بعضها يكون مهربًا عبر الحدود البرية أو مجهول المصدر والتركيب الكيميائي.
وبما أن الصيدليات المركزية في تونس تعاني من نقص السيولة، فقد وجد السماسرة في استيراد الأدوية المقلدة من دول آسيوية وأفريقية فرصة لملء الفراغ، وبيعها على أنها أدوية أصلية بأسعار مرتفعة
ويرى الأطباء والخبراء، أن تناول هذه الأدوية قد يؤدي إلى تسمم دوائي أو فشل في العلاج، خاصة في حالات الأمراض المستعصية التي تتطلب دقة متناهية في المكونات.
إن صمت الجهات الرقابية أو عجزها عن ملاحقة هؤلاء المهربين في الفضاء الرقمي زاد من ثقة السماسرة، مما جعل من تونس سوقاً مفتوحة لكل أنواع التجاوزات التي تضرب في مقتل مفهوم “السيادة الدوائية” وتجعل صحة التونسيين رهينة في يد حفنة من المضاربين.
غياب الرقابة الصارمة
يرجع مصادر استمرار هذه الأزمة وتغول السماسرة إلى وجود ثغرات قانونية ورقابية واسعة في المنظومة الصحية التونسية، حيث لم تفلح الحملات الأمنية المتقطعة في تفكيك شبكات التهريب والمضاربة الدولية والمحلية.
إن الحلول التي طرحتها الحكومة في بداية 2026، والمتمثلة في زيادة ضخ السيولة للصيدلية المركزية، لم تكن كافية لتعويض العجز المتراكم، كما أن منظومة تتبع الأدوية ما تزال تواجه صعوبات تقنية في التطبيق الشامل، مما يسهل عملية تسريب الأدوية من المستشفيات والمخازن العمومية إلى أيدي السماسرة.
وبدلاً من تشديد الرقابة على مسالك التوزيع، انشغلت الجهات الرسمية بإدارة النقص اليومي؛ مما ترك الساحة خالية للمحتكرين لفرض قوانينهم الخاصة.
إن استعادة السيطرة على قطاع الدواء تتطلب ضربة أمنية وقضائية بيد من حديد ضد “رؤوس الفساد” في قطاع التوزيع، بالتوازي مع إصلاحات هيكلية تضمن وصول الدواء مباشرة من المنتج أو المستورد إلى المريض بعيدًا عن أيدي الوسطاء الذين يقتاتون على جراح التونسيين.

