في بلد أنهكته الانقسامات وتنازعته الحكومات المتوازية، لم يعد السؤال المطروح متى تجرى الانتخابات فحسب، بل من سيذهب إلى صناديق الاقتراع إذا فتحت.
العزوف الانتخابي بات ظاهرة مقلقة في المشهد الليبي، تعكس أزمة أعمق من مجرد تأجيل استحقاق أو خلاف على قاعدة دستورية. إنها أزمة ثقة ممتدة بين المواطن والعملية السياسية برمتها.
وخلال مؤتمر علمي دولي خصص لمناقشة إشكاليات العزوف عن التصويت، طرحت مقاربات متعددة لفهم أسباب تراجع المشاركة، وتقاطعت الأوراق البحثية مع تقييمات رسمية لتؤكد أن الظاهرة ليست ظرفية، بل نتاج تراكمات سياسية واجتماعية وثقافية وتشريعية تشكل بيئة طاردة للناخبين.
انقسام سياسي يبدد الثقة
والعامل الأول يتمثل في استمرار الانقسام المؤسسي وتعثر مسار الانتقال الديمقراطي، منذ أكثر من عقد، تعيش ليبيا على وقع صراع على الشرعية، وتعدد في مراكز القرار، وتعثر متكرر في تنفيذ الاستحقاقات الانتخابية.
هذا الواقع رسخ لدى شريحة واسعة من المواطنين قناعة بأن التداول السلمي على السلطة ما يزال هدفًا مؤجلاً.
والإحباط المتراكم نتيجة فشل النخب في التوافق على خريطة طريق واضحة، وتكرار مشهد التأجيل أو الإلغاء، أضعف الإيمان بقدرة الانتخابات على إحداث تغيير فعلي.
ومع كل محطة مؤجلة، تتآكل الثقة أكثر، ويتحول الامتناع عن التصويت إلى موقف احتجاجي صامت.
التجربة المريرة لاستحقاق ديسمبر 2021، الذي كان يعول عليه كمنعطف تاريخي، ثم تعثر في اللحظات الأخيرة، عمقت الشعور بأن العملية السياسية رهينة حسابات متضاربة لا تعكس إرادة الناخبين.
قوانين مرتبكة وبيئة تشريعية ملتبسة
والعامل الثاني يرتبط بالإطار القانوني المنظم للعملية الانتخابية، القوانين التي صدرت في مراحل سابقة وجهت إليها انتقادات لعدم مراعاتها خصوصية البيئة الليبية، سواء من حيث المعايير أو الضوابط أو وضوح الصلاحيات.
وفتح باب الترشح دون معايير دقيقة بدعوى تجنب الإقصاء أفرز مشهدًا انتخابيًا مزدحمًا بشخصيات تفتقر أحيانًا إلى الخبرة أو البرامج الواضحة، في مجتمع لم يمارس الانتخابات لعقود طويلة.
هذا الارتباك التشريعي انعكس على جودة التنافس، وأضعف ثقة الناخب في أن النتائج ستقود إلى مؤسسات مستقرة وقادرة على الحكم.
كما أن تضارب التفسيرات القانونية بين الأجسام التشريعية المختلفة أسهم في إرباك المشهد، وخلق انطباعاً بأن القواعد قابلة للتعديل وفق موازين القوى، لا وفق معايير دستورية ثابتة.
موروث اجتماعي وثقافة سياسية حذرة
العامل الثالث يتصل بالبنية الاجتماعية والثقافة السياسية السائدة، ليبيا الخارجة من عقود طويلة من الحكم الفردي لم تتح لها فرصة ترسيخ تقاليد المشاركة الحزبية أو التنافس البرامجي المنظم.
والولاءات المحلية والاعتبارات القبلية والمناطقية ما تزال تؤثر في السلوك الانتخابي، أحيانًا على حساب البرامج والرؤى الوطنية.
كما أن عزوف بعض النخب الأكاديمية والاجتماعية عن الانخراط في العمل السياسي، بسبب غموض الأفق وحدّة الاستقطاب، ضيق خيارات الناخبين وحدّ من ظهور بدائل مقنعة. وعندما يشعر المواطن بأن الخيارات المتاحة لا تعبر عن طموحاته، يصبح الامتناع خيارًا أقل كلفة من المشاركة.
ورغم تسجيل نسب مشاركة مقبولة نسبيًا في بعض الانتخابات البلدية، فإنها تبقى محدودة قياسًا بحجم الهيئة الناخبة، وتعكس فجوة مستمرة بين المؤسسات والشارع.

