برزت في الآونة الأخيرة، ملامح حراك سياسي ودبلوماسي مكثف يتمحور حول ما بات يُعرف بمبادرة “الحكومة الثالثة”، وهي المبادرة التي تهدف إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تحل محل حكومتي “الوحدة الوطنية” في طرابلس و”الاستقرار” في بنغازي.
وتأتي هذه المبادرة استجابةً لحالة الانسداد السياسي التي عطلت مسار الانتخابات طوال العامين الماضيين، حيث بات من الجلي أن إجراء اقتراع وطني في ظل انقسام الأجهزة الأمنية والمالية بين الشرق والغرب هو ضرب من المحال.
وتستند فكرة “الحكومة الثالثة” إلى تشكيل فريق عمل تكنوقراط، مصغر ومستقل، لا يحق لأعضائه الترشح في الانتخابات القادمة، وتكون مهمته الأساسية والوحيدة هي تهيئة الأجواء اللوجستية والأمنية لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية قبل نهاية عام 2026.
وقالت مصادر: إن كسر الجمود السياسي عبر هذه المبادرة يتطلب توافقاً نادراً بين مجلسي النواب والدولة، وهو ما يسعى المجتمع الدولي لفرضه عبر قنوات الحوار المهيكل، لضمان وجود جهة واحدة تملك مفاتيح الخزانة العامة والسيطرة الميدانية، بما يسمح للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات بممارسة مهامها دون عوائق سياسية أو ضغوط جهوية.
تحديات الثقة والشرعية
رغم الجاذبية النظرية لمبادرة “الحكومة الثالثة”، إلا أنها تصطدم بحزمة من التحديات الواقعية التي قد تعيق مسارها نحو صناديق الاقتراع. فأي حكومة جديدة ستحتاج إلى نيل ثقة البرلمان واعتراف مجلس الدولة، وهو أمر تاريخيًا ما تعثر بسبب المحاصصة الجهوية وتضارب المصالح الشخصية للنخب السياسية المتصدرة للمشهد.
كما أن حكومتي الدبيبة وحماد ما تزالان تمتلكان أدوات القوة والتحالفات المحلية التي قد ترفض التنازل عن السلطة لصالح كيان ثالث، ما لم تتوفر ضمانات دولية حقيقية وعقوبات صارمة على المعرقلين.
وترى مصادر أن نجاح المبادرة مرهون بقدرتها على كسب تأييد القوى الفاعلة على الأرض، بما في ذلك المجموعات المسلحة في الغرب والقوات المسلحة في الشرق، لضمان عدم تحول “الحكومة الثالثة” إلى مجرد رقم إضافي في معادلة الانقسام بدلاً من أن تكون حلاً له.
إن كسر الجمود السياسي يتطلب أكثر من مجرد تغيير الوجوه؛ بل يستلزم بناء نموذج حكم يحظى بقبول شعبي واسع، ويستطيع إقناع المواطن الليبي بأن هذه المرحلة هي بالفعل “المرحلة الانتقالية الأخيرة” التي ستنتهي بانتخابات حرة ونزيهة.
المسار الدولي وجاهزية الانتخابات
تلعب البعثة الأممية في ليبيا، بقيادة المبعوثة هانا تيتيه، دور المحرك الأساسي لمبادرة “الحكومة الثالثة” في عام 2026، حيث كثفت البعثة من لقاءاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة للتوصل إلى “ميثاق وطني” يدعم السلطة الجديدة.
وترتكز المقاربة الأممية على أن استمرار النزاع حول الشرعية التنفيذية يهدد بانهيار وقف إطلاق النار وتجدد الصراع المسلح، فضلاً عن تدهور الوضع الاقتصادي للمواطنين. وبناءً عليه، تسعى الوساطة الدولية لتقديم “الحكومة الثالثة” كحل وسط يرضي كافة الأطراف، بحيث يتم توزيع الحقائب الوزارية بشكل يضمن التوازن الجغرافي دون الوقوع في فخ الولاءات الحزبية.
وأكدت المصادر أن التحرك نحو صناديق الاقتراع يتطلب دعمًا فنيًا وماليًا دوليًا لا يمكن تقديمه في ظل غياب شريك ليبي واحد وموثوق، وهو ما يجعل من “الحكومة الثالثة” ضرورة استراتيجية للمجتمع الدولي بقدر ما هي ضرورة محلية، لضمان استقرار إمدادات الطاقة وحماية الأمن الإقليمي في منطقة حوض المتوسط.
جاهزية مفوضية الانتخابات
من الناحية الفنية، تؤكد المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أنها قطعت شوطًا كبيرًا في تحديث منظومة سجل الناخبين، وتوزيع بطاقات “ناخب”، وتدريب الكوادر الميدانية، إلا أنها تقف الآن عند “نقطة الصفر” التنفيذية.
فالمفوضية تحتاج إلى ميزانية موحدة يتم صرفها عبر وزارة مالية واحدة، وإلى خطة تأمين وطنية تشرف عليها وزارة داخلية تملك الصلاحيات في كافة ربوع ليبيا، وهي أمور لا يمكن توفيرها إلا عبر نجاح مبادرة “الحكومة الثالثة”.
إن كسر الجمود السياسي يعني بالضرورة تذليل العقبات أمام قانون الانتخابات، وتحديد موعد نهائي ملزم للاقتراع، وهو ما تعهدت به المبادرة الجديدة ضمن خارطة طريقها المسربة وإذا ما نجحت هذه الحكومة في نيل الاعتراف المحلي والدولي، فإن الطريق نحو صناديق الاقتراع سيكون سالكًا لأول مرة منذ عام 2021، مما يمنح الليبيين فرصة تاريخية لاختيار ممثليهم وإنهاء حالة التشظي التي يعيشها وطنهم، لتكون “الحكومة الثالثة” هي الجسر الحقيقي والوحيد الذي ينقل الدولة من الفوضى إلى الاستقرار الديمقراطي المستدام.

