تعيش الساحة السياسية السودانية المرتبطة بمركز القرار في العاصمة الإدارية المؤقتة “بورتسودان” حالةً من الغليان المكتوم الذي بدأ يطفو على السطح بشكل متسارع، نتيجة لتقاطعات حادة في الأجندات السياسية بين القيادة العسكرية العليا من جهة، والقوى المدنية والسياسية المتحالفة معها من جهة أخرى.
وتأتي هذه التطورات الدراماتيكية في ظل تصاعد حدة الاستياء الشعبي والنخبوي من تغلغل عناصر تنظيم الإخوان المسلمين في مفاصل صناعة القرار السيادي داخل المؤسسة العسكرية، وهو التغلغل الذي بات يُنظر إليه محلياً ودولياً كعقبة رئيسية تحول دون التوصل إلى أي حلول سلمية أو تفاهمات لوقف إطلاق النار.
إن هذا المشهد المعقد لم يفرز أزمة ثقة عميقة فحسب، بل أدى إلى صدام مباشر وعلني بين رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وشركائه من قادة الحركات المسلحة، مما يهدد بشكل جدي بتفكك الكتلة الداعمة للجيش في لحظة تاريخية فارقة ومفصلية من عمر الصراع الحالي.
هيمنة الأيديولوجيا.. استياء سياسي عارم من سيطرة “الإخوان” على قرار الجيش
تصاعدت في الآونة الأخيرة نبرة التحذيرات الصارمة الصادرة من كبرى القوى السياسية والمدنية حيال ما يوصف بـ”الاختطاف الأيديولوجي” لقرار الجيش السوداني من قبل تنظيم الإخوان المسلمين.
وترى هذه القوى أن التنظيم نجح ببراعة في فرض أجندته الراديكالية على القيادة العسكرية العليا، مما أدى إلى تحويل العقيدة القتالية والسياسية للقوات المسلحة نحو مسارات تخدم، في جوهرها، بقاء التنظيم وتأمين عودته إلى المشهد السياسي تحت غطاء الحرب.
هذا الاستياء المتنامي نابع من قناعة راسخة لدى الوسط السياسي بأن سيطرة “الحركة الإسلامية” على غرف العمليات والقرار الاستراتيجي للجيش ستدفع بالبلاد حتماً إلى حرب استنزاف طويلة الأمد لا تبقي ولا تذر، وهو ما يعزز حالة العزلة الدولية التي يعاني منها السودان ويقطع الطريق تماماً أمام أي محاولات جادة لبناء تحول مدني ديمقراطي حقيقي بعيداً عن هيمنة النظم الشمولية التي ثار ضدها الشعب.
فيتو “الإخوان” على السلام.. إجبار القيادة العسكرية على رفض مسارات الحوار
لم يتوقف دور تنظيم الإخوان المسلمين عند حدود السيطرة الإدارية أو التوجيه المعنوي، بل امتد ليشمل فرض منهجية “الرفض القاطع” لكل المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف إطلاق النار أو الانخراط في حوار سياسي شامل.
وتبدي القوى المدنية والسياسية استياءً بالغاً من نجاح التنظيم في إجبار قيادات الجيش على تبني ذات الخطاب المتشدد الرافض للهدنة الإنسانية، وهو الأمر الذي يفسر بوضوح حالة التعنت التي تظهرها الوفود الحكومية على طاولات المفاوضات الدولية.
هذا النهج الإخواني المتعمد يهدف، بالأساس، إلى إغلاق كافة منافذ الحلول السياسية التي قد تؤدي إلى إقصاء رموز النظام القديم من المشهد مستقبلاً، مما دفعهم إلى الضغط بكل ثقلهم لضمان استمرار العمليات العسكرية كخيار وحيد وأوحد، وهو ما تصفه القوى الوطنية بـ”الانتحار السياسي” الذي يُدفع ثمنه يومياً من دماء السودانيين ووحدة ترابهم الوطني.
هندسة التهميش.. البرهان يقلص حصص “الكتلة الديمقراطية” في السلطة المرتقبة
وعلى صعيد التحالفات الميدانية، فجّر الفريق أول عبد الفتاح البرهان أزمة سياسية كبرى بقراره المفاجئ القاضي بتقليص تمثيل “الكتلة الديمقراطية” في المجلس التشريعي والحكومة القادمة التي يجري الترتيب لتشكيلها.
وقد برر البرهان هذه الخطوة الجريئة، بحسب تسريبات من دوائر مقربة، بتراجع التأثير السياسي للكتلة وتقلص دورها الميداني والفعلي على الأرض وفي الحراك السياسي العام، مقارنةً بحجم طموحاتها.
هذه الخطوة تعكس بوضوح رغبة الجيش في التخلص من أعباء المحاصصة السياسية التي فرضتها الظروف السابقة، والبحث عن “حاضنة سياسية” جديدة أكثر طواعيةً واستجابةً للقرار العسكري الصرف.
إن هذا التقليص لا يمثل مجرد إعادة توزيع للمقاعد البرلمانية، بل هو بمثابة إعلان رسمي عن نهاية الصلاحية السياسية للتحالفات التي تشكلت عقب قرارات أكتوبر 2021، مما وضع قادة الحركات المسلحة في مأزق تاريخي أمام قواعدهم الجماهيرية.
تصعيد “مناوي”.. الرد على خطة التهميش والتلويح بقطيعة مع قيادة الجيش
لم يتأخر رد فعل حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة جيش تحرير السودان، مني أركو مناوي، الذي أعلن رفضه المطلق والبات لخطوات البرهان الرامية إلى تحجيم دور الكتلة الديمقراطية. واعتبر مناوي في تصريحاته أن هذا التوجه يمثل “غدراً سياسياً” مكتمل الأركان بالشركاء الذين ساندوا المؤسسة العسكرية في أصعب الظروف الأمنية والسياسية.
وبحسب التقارير الواردة، بدأ مناوي بالفعل في اتخاذ خطوات تصعيدية شملت إجراء اتصالات مكثفة مع قادة ميدانيين، والتلويح بمراجعة موقف حركته من التحالف العسكري الحالي برمته.
هذا التصادم العلني يضع قيادة الجيش في مواجهة مباشرة مع حلفاء الميدان الأقوياء، حيث يرى مناوي أن تقليص تمثيل حركته هو محاولة ممنهجة لنزع الشرعية السياسية عنها وتحويلها إلى مجرد “أداة قتالية” بلا مخالب سياسية في مستقبل الحكم السوداني.
الانقلاب على “رفاق السلاح”.. خطة عسكرية لإضعاف نفوذ مناوي وجبريل
وفي تطور لافت للأحداث، بدأت “الكتلة الديمقراطية” نفسها تشهد تحركات داخلية مريبة تهدف إلى تحجيم دور كل من مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم بشكل خاص، وهي التحركات التي تؤكد المصادر أنها تتم بإيعاز وتنسيق مباشر من الفريق البرهان وقيادات نافذة في الاستخبارات العسكرية.
الهدف من هذه المناورة السياسية هو تفتيت وحدة الكتلة من الداخل عبر دعم تيارات منافسة أو تقليص الصلاحيات التنفيذية للقادة الأكثر اعتراضاً على سياسات المركز.
وتسعى القيادة العسكرية، من خلال هذه الاستراتيجية، إلى ضمان خروج تشكيل حكومي “تكنوقراط” لا تمتلك فيه الحركات المسلحة أي سلطة حقيقية أو حق نقض “فيتو” على القرارات السيادية الكبرى.
إن هذا الصراع المحموم يؤكد أن التحالف بين العسكر وحركات “اتفاق جوبا” قد وصل فعلياً إلى طريق مسدود، حيث بدأ كل طرف في استخدام أوراقه الأخيرة لضمان موقعه في خارطة سودان ما بعد الحرب.

