لم يعد خافيًا على أي مراقب للشأن اللبناني أن البلاد تعيش حالة من “الاحتلال المقنع” الذي تمارسه إيران عبر ذراعها العسكري والسياسي الأقوى، “حزب الله”.
إن عملية ابتلاع الدولة اللبنانية لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة استراتيجية طويلة الأمد اعتمدت على ركنين أساسيين: “الاغتيال السياسي” لتصفية العقول السيادية، و”الترهيب العسكري” لشل إرادة المعارضين.
وفي عام 2026، يبدو أن هذا المشروع قد وصل إلى مراحل متقدمة، حيث تحولت المؤسسات الدستورية، من رئاسة الجمهورية إلى البرلمان والقضاء، إلى هياكل كرتونية تنفذ رغبات “الضاحية الجنوبية” المرتبطة عضوياً بطهران.
سلاح الاغتيال.. تصفية الأصوات السيادية لتمهيد طريق التبعية
يمثل الاغتيال السياسي الركيزة الأولى في استراتيجية حزب الله لإحكام قبضته على لبنان؛ فمنذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في عام 2005، والذي أدانت فيه المحكمة الدولية عناصر من الحزب، بدأت سلسلة من التصفيات استهدفت كل من يجرؤ على قول “لا” للمشروع الإيراني.
إن قائمة الشهداء من الصحفيين والسياسيين والأمنيين، وصولاً إلى المفكر لقمان سليم، تعكس منهجية واضحة تهدف إلى خلق حالة من “الفراغ القيادي” في المعسكر السيادي.
هذا الترهيب بالدم لم يكن يهدف فقط للتخلص من الخصوم، بل لإرسال رسالة رعب لكل من يحاول استعادة سيادة الدولة، مما أجبر الكثيرين على الانكفاء أو القبول بـ “تسويات” مذلة تحت ضغط السلاح، وإن غياب المحاسبة في هذه الجرائم، نتيجة ترهيب القضاء وتعطيل التحقيقات، منح الحزب “رخصة مفتوحة” لمواصلة تصفية أي عائق يقف أمام طموحات طهران في تحويل بيروت إلى منصة متقدمة لمواجهاتها الإقليمية.
شلل المؤسسات الدستورية.. الديمقراطية المعطلة بقوة الفيتو المسلح
لم يكتفِ حزب الله بالسيطرة الميدانية، بل انتقل إلى “تخييط” القوانين والدساتير بما يخدم هيمنته؛ فمن خلال بدعة “الثلث المعطل” والتعطيل الممنهج لانتخابات رئاسة الجمهورية، استطاع الحزب فرض إرادته على المسار الديمقراطي.
إن البرلمان اللبناني بات اليوم رهينة لقرار الحزب الذي يملك القدرة على إغلاق أبوابه أو منع النصاب القانوني متى شاء. هذا التعطيل أدى إلى شل قدرة الدولة على اتخاذ قرارات مصيرية، وجعل من المؤسسات الرسمية مجرد واجهات لشرعنة قرارات تُتخذ في غرف مغلقة بين قيادة الحزب والقيادة الإيرانية.
وبذلك، تحول لبنان من “دولة المؤسسات” إلى “دولة الشخص الواحد” أو “المشرف الواحد”، حيث لا يمكن تعيين موظف فئة أولى أو إقرار موازنة دون موافقة “حارة حريك”، مما جعل الدولة اللبنانية جسداً بلا روح، يتحرك فقط عندما تقتضي الحاجة الإيرانية ذلك.
ترهيب القضاء والمنظومة الأمنية.. إسقاط الحصون الأخيرة للسيادة
يعتبر القضاء اللبناني هو الحصن الأخير الذي يحاول الصمود أمام تغول حزب الله، وهو ما جعل القضاة عرضة لحملات تخوين وترهيب لم يسبق لها مثيل.
إن ما جرى في تحقيقات انفجار مرفأ بيروت، من تهديد مباشر للمحقق العدلي ومحاولات كف يده بقوة الشارع والسلاح، هو المثال الأبرز على كيفية تعامل الحزب مع أي سلطة تحاول كشف جرائمه.
وبالموازاة مع ذلك، يسعى الحزب إلى اختراق الأجهزة الأمنية الرسمية وتحويلها إلى أجهزة “تنسيقية” لا تملك سلطة القرار في المناطق الخاضعة لسيطرته، بل إن الحزب أنشأ منظومته الأمنية والاستخباراتية الموازية التي تتجسس على اللبنانيين وتلاحق المعارضين.
هذا التآكل في هيبة الأمن والقضاء أدى إلى شعور المواطن اللبناني بأنه يعيش في “غابة” تحكمها قوة السلاح، حيث لا قانون يعلو فوق قانون “المقاومة” المزعومة التي تحولت إلى أداة لقمع الداخل بدلاً من حماية الحدود.
الاقتصاد الموازي والتهريب.. تجفيف منابع الدولة لتمويل الأجندة الإيرانية
في وقت يعاني فيه الشعب اللبناني من أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه الحديث، يدير حزب الله “اقتصاداً أسود” موازياً يعتمد على التهريب عبر الحدود غير الشرعية وتجارة الممنوعات، مما يدر عليه مئات الملايين من الدولارات بعيداً عن خزينة الدولة.
إن السيطرة على المرافئ والمطار وتوظيفها لخدمة نقل الأسلحة والسلع المهربة لم تؤدِ فقط إلى حرمان الدولة من مواردها، بل تسببت في فرض عقوبات دولية خانقة زادت من معاناة اللبنانيين.
الحزب يستخدم هذه الأموال ليس لإغاثة الشعب، بل لتمويل مقاتليه في سوريا واليمن، وشراء الولاءات السياسية، وبناء مؤسسات طائفية موازية “مؤسسات القرض الحسن وغيرها” تزيد من عزل بيئته عن الدولة اللبنانية.
هذا النهج أدى إلى تحلل الدولة اقتصاديًا، وجعلها متسولة للمساعدات، بينما ينمو “كانتون” الحزب ماليًا وعسكريًا على حساب أنقاض الوطن المنهار.
لبنان بين استعادة السيادة أو السقوط في الفوضى الشاملة
إن المشهد في عام 2026 يؤكد أن لبنان يقف أمام مفترق طرق وجودي؛ فإما أن ينتفض المجتمع اللبناني والقوى السيادية لاستعادة الدولة من براثن الهيمنة الإيرانية، أو أن البلاد ستمضي نحو تحلل كامل تصبح فيه مجرد محافظة إيرانية تطل على المتوسط.
إن استمرار حزب الله في نهج الاغتيال والترهيب لم يعد يهدد الأفراد فحسب، بل يهدد فكرة “لبنان” ككيان متنوع وحر، إن استعادة السيادة تتطلب مواجهة حقيقية تبدأ بتطبيق القرارات الدولية، وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني وحده، وفك الارتباط بين المؤسسات الرسمية وأجندة طهران وبدون ذلك، سيبقى لبنان رهينة لنزوات “الولي الفقيه”، وسيبقى شعبه يدفع ثمن حروب لا ناقة له فيها ولا جمل، في ظل واقع يقدس “المسيرة” ويهدر كرامة الإنسان والوطن.

