ذات صلة

جمع

استعراض قوة محسوب في هرمز.. واشنطن وطهران يرفعان سقف الضغط بلا مواجهة

يشهد مضيق هرمز خلال هذه الأيام تصاعدًا لافتًا في...

احتجاجات حاشدة تهز الشارع الإسرائيلي ضد حكومة نتنياهو

شهدت إسرائيل موجة جديدة من الاحتجاجات الواسعة، حيث خرج...

من بغداد إلى سوريا.. هل ينجح العراق في تجفيف منابع المخدرات العابرة للحدود؟

إن نجاح الاستخبارات العراقية في اختراق المجموعات المسلحة والمافيات...

خارطة طريق برائحة البارود.. هل تنجح البعثة الأممية في ترميم الثقة بين بنغازي وطرابلس؟

في مطلع فبراير 2026، تجد ليبيا نفسها مرة أخرى أمام منعطف تاريخي يختبر قدرة المجتمع الدولي على انتشالها من مستنقع الانقسام الذي دام أكثر من عقد.

إن خارطة الطريق الجديدة التي تدفع بها الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، لا تصطدم فقط بالعقبات السياسية المعتادة بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وسلطات شرق ليبيا في بنغازي، بل باتت اليوم تحت تهديد مباشر برائحة البارود التي فاحت عقب “زلزال الاغتيالات” الأخير الذي طال شخصيات رمزية، وعلى رأسهم سيف الإسلام القذافي في منطقة الزنتان.

هذا الحدث الدراماتيكي أعاد للأذهان سيناريوهات “تصفية السياسة بالرصاص”، ووضع البعثة الأممية في مأزق حقيقي؛ فبينما تحاول البعثة “ترميم الثقة” عبر جلسات “الحوار المهيكل”، يرى الشارع الليبي أن الرصاص بات أسرع من طاولة التفاوض، مما يجعل من أي “خارطة طريق” مجرد حبر على ورق ما لم تقترن بضمانات أمنية حقيقية تلجم الميليشيات وتحمي الفاعلين السياسيين.

وتشير التطورات الراهنة إلى أن الفجوة بين بنغازي وطرابلس لم تعد تقتصر على النزاع حول الشرعية القانونية، بل تحولت إلى صراع وجودي حول “هوية الدولة” وإدارة مواردها السيادية.

ففي الوقت الذي تدعو فيه البعثة الأممية إلى تشكيل “حكومة موحدة” لتهيئة الظروف للانتخابات المؤجلة، يتمسك كل طرف بمكتسباته الميدانية والمالية.

إن انعدام الثقة البنيوي بين القادة العسكريين في الشرق والمجموعات المسلحة في الغرب، جعل من محاولات “توحيد المؤسسة العسكرية” مجرد شعار يُرفع في المحافل الدولية، بينما الواقع يشهد تعزيزًا للخنادق وتنافسًا محممومًا على عائدات النفط التي لدما يزال 71% من الليبيين -وفق استطلاعات البعثة- يرون أنها تُنهب في غياب كامل للشفافية والرقابة.

الاغتيالات كأداة لتعطيل المسار.. حين يسبق الرصاص صناديق الاقتراع

تمثل موجة الاغتيالات التي شهدتها ليبيا في مطلع عام 2026 رسالة واضحة من القوى المستفيدة من الوضع الراهن: “لا مكان لمنافسين خارج هندسة الانقسام الحالية”.

إن مقتل سيف الإسلام القذافي تحت وابل من الرصاص في فبراير الجاري، وقبله تصفية قيادات أمنية في طرابلس، يعكس هشاشة “الهدنة غير المعلنة”، ويؤكد أن السلاح ما يزال هو الحكم الفصل في الخلافات السياسية.

هذه العمليات ليست مجرد حوادث معزولة، بل هي جزء من استراتيجية “اغتيال الاحتمالات” التي تهدف إلى إقصاء الشخصيات التي قد تحظى بقبول واسع أو تمثل جسراً بين الماضي والمستقبل، مما يترك الدولة بلا أفق سياسي وبلا بدائل وطنية حقيقية.

وترى البعثة الأممية، أن هذه الجرائم تهدف بالدرجة الأولى إلى تقويض “سيادة القانون” وإرسال رسالة ترهيب لكل من يحاول الانخراط في المسار السلمي ومع ذلك، فإن عجز السلطات في الشرق والغرب عن تقديم نتائج تحقيقات شفافة أو محاسبة الجناة، يعزز من فرضية “التواطؤ الصمتي” بين مراكز القوى للحفاظ على حالة “اللا دولة”.

إن خارطة الطريق التي تراهن عليها هانا تيتيه تتطلب بيئة آمنة للمرشحين والناخبين، وهو أمر يبدو مستحيلاً في ظل وجود ميليشيات تمتلك القدرة على تصفية أي خصم سياسي في وضح النهار دون خوف من ملاحقة قضائية، مما يجعل من الحديث عن “انتخابات في 2026” ضربًا من الخيال السياسي ما لم يتم تفكيك بنية العنف الممنهج، وإن ليبيا اليوم لا تحتاج إلى مجرد “خارطة طريق” جديدة تضاف إلى سابقاتها، بل تحتاج إلى “إرادة سيادية” تنتزع القرار من أيدي الميليشيات وتعيده إلى صناديق الاقتراع، وإن ترميم الثقة بين بنغازي وطرابلس يبدأ من توحيد القضاء وضمان استقلاليته.

كما أكدت البعثة الأممية مؤخرًا، لأن العدالة هي الضمانة الوحيدة لمنع تحول الاغتيال إلى “سنة سياسية” متبعة وبدون ذلك، سيبقى مستقبل ليبيا رهينة لرصاصة طائشة أو صفقة مشبوهة خلف الغرف المغلقة، وستظل خارطة الطريق الأممية مجرد حلم يتبخر في سماء بورتسودان وطرابلس وبنغازي، بينما يواصل المواطن الليبي دفع ثمن “صراع الديكة” على أنقاض وطن يحاول النهوض من بين الرماد.