تستعد العاصمة التونسية لاستعادة دورها المحوري في الملف الليبي عبر مقترح “المؤتمر الجامع” الذي أطلقه الرئيس قيس سعيد في يناير 2026، وهو التحرك الذي يأتي في توقيت شديد الحساسية تعيش فيه ليبيا حالة من الجمود السياسي والعسكري الخطير.
وقالت مصادر: إن جوهر المبادرة التونسية لا يقتصر فقط على الجلوس إلى طاولة الحوار السياسي، بل يمتد ليلامس “العقدة المستعصية” في الأزمة الليبية، وهي معضلة سلاح المليشيات وتعدد الولاءات العسكرية التي مزقت كيان الدولة.
وتدرك تونس، بوصفها الجار الأكثر تأثرًا بتداعيات الفوضى الأمنية، أن أي تسوية سياسية لا تتضمن رؤية واضحة وشجاعة لتوحيد المؤسسة العسكرية وتفكيك المجموعات المسلحة، ستظل مجرد حبر على ورق، مما يجعل الأنظار تتجه صوب قرطاج لمعرفة مدى قدرتها على إقناع “أمراء الحرب” بوضع السلاح والانخراط في مشروع وطني جامع برعاية إقليمية قوية.
معضلة السلاح المنفلت وتحديات الدمج في ليبيا
فمنذ سقوط النظام السابق في عام 2011، تحول السلاح في ليبيا من أداة لحماية الدولة إلى وسيلة لفرض الإرادات السياسية وتحقيق المكاسب الاقتصادية، حيث تشعبت المليشيات في الغرب والشرق والجنوب، مما خلق “دولة موازية” تمتلك القوة العسكرية والمالية.
وتواجه المبادرة التونسية اليوم واقعًا أمنيًا معقدًا يتلخص في رفض العديد من هذه التشكيلات المسلحة لأي مشروع يقضي بحلها أو دمجها الفردي داخل الجيش النظامي، خشية فقدان نفوذها الميداني.
إن الرؤية التونسية، التي تنادي بـ “الحل الليبي-الليبي”، تصطدم بضرورة إيجاد صيغة فنية وقانونية ترضي القيادات العسكرية المتصارعة، وتضمن في الوقت ذاته خروج المرتزقة والقوات الأجنبية، وهو الملف الذي تعهدت تونس بفتحه بكل شفافية خلال المؤتمر المرتقب، سعياً منها لإنهاء حالة “الشرعيات المتعددة” التي تقتات عليها الجماعات المسلحة.
الدبلوماسية التونسية ورهان “الحياد الإيجابي” في الملف العسكري
تراهن تونس في مقترحها على وقوفها على مسافة واحدة من جميع الفرقاء، وهو “الحياد الإيجابي” الذي قد يمنحها ميزة تفضيلية عن بقية القوى الإقليمية والدولية التي انخرطت سابقًا في دعم أطراف معينة.
وترى مصادر، أن المؤتمر التونسي يسعى لبناء “جسور الثقة” بين اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) والقيادات الميدانية المؤثرة، من خلال طرح خطة متدرجة تبدأ بوقف إطلاق نار دائم وشامل، مرورًا بتأمين الحدود المشتركة، وصولاً إلى هيكلة جيش وطني موحد بعيداً عن التجاذبات الحزبية أو القبلية.
وإن هذا الطموح التونسي يتطلب دعمًا لوجستيًا وسياسيًا من دول الجوار، خاصة مصر والجزائر، لضمان عدم عرقلة المليشيات لهذا المسار، وهو ما يفسر اللقاءات المكثفة التي أجراها الرئيس قيس سعيد مؤخرًا مع وزراء خارجية الدول المعنية لتنسيق المواقف حول ملف “الأمن القومي المشترك”.
التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لتوحيد المؤسسة العسكرية
لا يمكن فصل ملف السلاح عن الواقع المعيشي لليبيين، إذ إن استمرار نفوذ المليشيات أدى إلى استنزاف موارد الدولة وتعطيل عمليات إنتاج وتصدير النفط، وهو ما ينعكس سلبًا على الاقتصاد التونسي أيضًا.
حيث يهدف المؤتمر الجامع في تونس إلى تقديم رؤية اقتصادية موازية للحل العسكري، تشجع المسلحين الشباب على الانخراط في مشاريع إعادة الإعمار والوظائف المدنية مقابل تسليم أسلحتهم، وهي مقاربة “نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج” (DDR) التي تتبناها الأمم المتحدة ولكن بروح إقليمية هذه المرة.
وإن نجاح تونس في هذا الملف يعني تأمين الحدود المشتركة التي تمتد لأكثر من 450 كيلومترًا، وفتح آفاق التجارة البينية التي توقفت لسنوات، مما يجعل من توحيد الجيش الليبي ضرورة حيوية ليس فقط لاستقرار ليبيا، بل لإنقاذ الاقتصاد التونسي الذي يرى في استقرار جاره الشرقي بوابته الوحيدة نحو التعافي والنمو.
آفاق النجاح وعقبات التدخل الخارجي في مسار قرطاج
رغم التفاؤل الذي تبديه الأوساط الدبلوماسية التونسية، إلا أن الطريق نحو توحيد المؤسسة العسكرية الليبية ما يزال محفوفًا بالمخاطر، لا سيما مع استمرار التدخلات الأجنبية التي تجد في بقاء المليشيات وسيلة لحفظ مصالحها.
كما أن التحدي الأكبر أمام “مؤتمر تونس الجامع” يكمن في مدى قدرته على عزل الملف العسكري عن الصراعات الجيوسياسية الكبرى، وإقناع القوى الدولية برفع يدها عن دعم الفصائل المسلحة وإذا نجحت تونس في انتزاع “ميثاق شرف” عسكري يلتزم به القادة الليبيون، فإنها ستكون قد حققت اختراقًا تاريخيًا يعيد للدولة الليبية هيبتها وينهي عقدًا من الفوضى، وإن الرهان اليوم ليس فقط على تنظيم المؤتمر، بل على مخرجاته التي ينتظرها الشارع الليبي بشغف، ليرى جيشًا واحدًا يحمي الحدود ويصون السيادة، بدلاً من بنادق المليشيات التي ما تزال تصوب نحو صدر الوطن.

