منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تطلعت الأوساط العسكرية الدولية إلى السلاح الألماني بصفته “كلمة السر” التي قد تغير موازين القوى على الأرض، وخاصة في مجال الطائرات المسيرة “الدرونز” التي تُعد فخر الصناعة الهندسية في برلين. ومع ذلك، ومع مرور أشهر من القتال العنيف، بدأت التقارير الميدانية الواردة من جبهات القتال في باخموت ودونيتسك ترسم صورة مغايرة تماماً للتوقعات المتفائلة.
حيث واجهت المسيرات الألمانية المتطورة، مثل طرازات “فيكتور” وغيرها من الأنظمة الاستطلاعية والانتحارية، تحديات تقنية معقدة أدت إلى تحييدها في كثير من الأحيان.
هذا الواقع الميداني لم يكن مجرد كبوة عسكرية، بل تحول إلى صدمة سياسية وتقنية في برلين، حيث بدأت التساؤلات تتعالى حول جدوى “الهندسة الزائدة” التي تتميز بها الأسلحة الألمانية، والتي تبين أنها قد تكون نقطة ضعف قاتلة عندما تصطدم بواقع حرب الاستنزاف والتشويش الإلكتروني الروسي المكثف.
لماذا عجزت “عبقرية” ألمانيا أمام التكتيكات الروسية؟
تعتمد الصناعة العسكرية الألمانية في تطوير مسيراتها على أنظمة توجيه واتصال شديدة التعقيد والحساسية، وهي مصممة للعمل في بيئات قتالية مثالية وضمن معايير حلف شمال الأطلسي “الناتو”. ولكن في سماء أوكرانيا، حيث تسود منظومات الحرب الإلكترونية الروسية المتطورة مثل “كراسوخا” و”بول بوي”، وجد المشغلون الأوكرانيون أن هذه المسيرات الألمانية تفقد الاتصال بقواعدها بمجرد دخولها مناطق التشويش.
إن “زيف التفوق” الذي ظهر هنا يكمن في أن التكنولوجيا الألمانية كانت تفتقر إلى “المرونة الميدانية”؛ فبينما كانت المسيرات التجارية الرخيصة أو الدرونز الانتحارية البسيطة تحقق خروقات، كانت الأنظمة الألمانية المليونية تسقط صامتة نتيجة حساسيتها المفرطة تجاه التداخلات الراديوية، مما أحرج الشركات المصنعة في برلين التي طالما سوّقت لمنتجاتها باعتبارها “غير قابلة للاختراق” إلكترونياً.
الفشل في اختبار “البقاء”
كشفت الحرب في أوكرانيا عن فجوة هائلة بين مختبرات التطوير في ألمانيا وبين خنادق القتال الحقيقية؛ فالمسيرات الألمانية تتطلب صيانة دورية معقدة وقطع غيار لا تتوفر إلا عبر سلاسل توريد طويلة، وهو ما لا يتناسب مع وتيرة الحرب المتسارعة التي تتطلب أسلحة “استهلاكية” فعالة ورخيصة الثمن.
لقد أثبتت التجربة أن التفوق ليس في تعقيد الشريحة الإلكترونية أو انسيابية الهيكل الكربوني، بل في قدرة المسيرة على تنفيذ المهمة والعودة أو تدمير الهدف تحت ضغط ناري هائل.
ويشير خبراء عسكريون إلى أن المسيرات الألمانية كانت ضحية لـ “البيروقراطية التقنية”، حيث تم تحميلها بأنظمة استشعار وكاميرات حرارية باهظة الثمن زادت من وزنها وقللت من قدرتها على المناورة، مما جعلها أهدافاً سهلة لمنظومات الدفاع الجوي الروسية قصيرة المدى التي لم تجد صعوبة في رصدها وإسقاطها.
تداعيات الإخفاق التقني
لا يتوقف أثر الفشل التقني للمسيرات الألمانية عند حدود الجبهة الأوكرانية، بل يمتد ليضرب سمعة ألمانيا كمورد موثوق للسلاح المتطور في العالم. فالدول التي كانت تتسابق للحصول على “التكنولوجيا الألمانية” باتت الآن تنظر بعين الريبة إلى قدرة هذه الأسلحة على الصمود في الحروب الحديثة ضد خصوم يمتلكون قدرات تقنية موازية.
هذا التراجع في الثقة دفع برلين إلى مراجعة شاملة لاستراتيجيتها الدفاعية، وسط انتقادات داخلية حادة لحكومة أولاف شولتس التي أنفقت مليارات اليورو على صفقات تسليح لم تحقق الفارق المطلوب على الأرض.
إن الحقيقة المرة التي كشفتها الحرب هي أن التفوق العسكري في القرن الحادي والعشرين لم يعد يُقاس بجودة التصنيع التقليدية فحسب، بل بالقدرة على التكيف الرقمي السريع والقدرة على الإنتاج الكمي الرخيص، وهو ما تفتقر إليه المنظومة الدفاعية الألمانية الحالية.
هل تعيد برلين ابتكار “سلاح المسيرات”؟
رغم القسوة في تقييم الأداء، إلا أن التجربة الأوكرانية وفرت لألمانيا مختبراً واقعياً لم تكن لتحلم به في أوقات السلم. اليوم، تجد شركات الدفاع الألمانية نفسها مجبرة على التخلي عن فلسفة “الكمال التقني” والتوجه نحو إنتاج مسيرات أكثر بساطة، وأقل تكلفة، وأكثر مقاومة للحرب الإلكترونية.
الدروس المستقاة من سقوط المسيرات في أوكرانيا تشير إلى أن المستقبل هو للذكاء الاصطناعي اللامركزي الذي يتيح للمسيرة اتخاذ القرارات دون الحاجة لاتصال مستمر مع المركز، وهو المسار الذي بدأت برلين الاستثمار فيه فعلياً لتدارك الفجوة. يبقى السؤال القائم: هل ستتمكن ألمانيا من استعادة هيبتها العسكرية في عالم الدرونز، أم أن الحرب الأوكرانية قد وضعت نهاية لأسطورة “التفوق الألماني” الذي طالما اعتبرناه حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش؟

