يدخل لبنان عام 2026 وهو يرزح تحت وطأة أزمات هيكلية كبرى، حيث ترى مصادر أن المسبب الرئيسي لها هو تنامي نفوذ “حزب الله” الذي نجح على مدار العقود الماضية في بناء منظومة موازية للدولة، قوضت سيادتها الوطنية وجعلت قرارها المركزي مرتهناً لأجندات خارجية.
وقالت المصادر: إن قضية تقويض السيادة لا تقتصر فقط على امتلاك الحزب لسلاح خارج إطار الشرعية، بل تمتد لتشمل استراتيجية ممنهجة لترهيب المعارضين وإسكات الأصوات الحرة التي تنادي بضرورة حصر السلاح بيد الجيش اللبناني وحده.
سلاح الاغتيالات والترهيب.. تصفية المعارضين كأداة للسيطرة السياسية
حيث يعتبر ملف الاغتيالات السياسية في لبنان من أكثر الملفات قتامة في سجل “حزب الله”، حيث وُجهت إليه أصابع الاتهام في سلسلة من التصفيات التي استهدفت رموزاً وطنية وصحفيين تجرأوا على انتقاد هيمنته، من اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، الذي أثبتت المحكمة الدولية تورط عناصر من الحزب فيه، وصولاً إلى اغتيال الباحث والمفكر لقمان سليم في قلب مناطق نفوذ الحزب، تظهر نمطية واحدة تهدف إلى ترهيب كل من يحاول الخروج عن “بيت الطاعة” السياسي.
هذا الترهيب لا يتوقف عند القتل الجسدي، بل يمتد إلى “الاغتيال المعنوي” عبر حملات التخوين الممنهجة التي يشنها “الجيش الإلكتروني” التابع للحزب ضد الناشطين والمثقفين، مما خلق بيئة قمعية يخشى فيها المعارضون على حياتهم وحياة عائلاتهم.
وأكدت المصادر، أن هذه السياسة أدت بمرور الوقت إلى إفراغ الساحة السياسية من الأصوات المستقلة والقوية، مما سمح للحزب بفرض إرادته على مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية، وتعطيل أي قرار لا يخدم مصالحه أو مصالح القوى الإقليمية الداعمة له.
تعطيل القضاء واختراق المؤسسات
لم يكتفِ “حزب الله” بالسيطرة الميدانية، بل سعى وبقوة إلى تدجين القضاء اللبناني ومنعه من المحاسبة في القضايا الكبرى التي تمس أمن البلاد، ولعل قضية انفجار مرفأ بيروت هي الدليل الأبرز على ذلك؛ فمنذ اللحظات الأولى، مارس الحزب ضغوطًا هائلة لعرقلة التحقيق وتهديد القضاة، وصولاً إلى المطالبة بعزل المحقق العدلي طارق البيطار عندما اقتربت خيوط التحقيق من كشف ثغرات أمنية في المرافق التي يسيطر عليها الحزب.
وأكدت المصادر، أن هذا التعطيل الممنهج للقضاء يرسخ ثقافة “الإفلات من العقاب” ويجعل من سلطة الحزب فوق أي قانون أو دستور بالإضافة إلى ذلك، نجح الحزب في اختراق الأجهزة الأمنية الرسمية وتحويل بعض وحداتها إلى أدوات لجمع المعلومات عن خصومه، مما أفقد المواطن اللبناني الثقة في قدرة الدولة على حمايته.
إن تحول المؤسسات الرسمية إلى مجرد واجهات تنفذ رغبات “الدويلة” هو القمة في تقويض السيادة، حيث تصبح الدولة مجرد “رهينة” تستخدم لتأمين الغطاء الشرعي لأنشطة الميليشيا.
الاستيلاء على المرافق الحيوية والتهريب
وتمتد هيمنة “حزب الله” لتشمل السيطرة غير القانونية على المرافق الحيوية للدولة مثل مطار بيروت الدولي والمرافئ البحرية والمعابر الحدودية البرية مع سوريا، هذه السيطرة لم تُستخدم فقط لتأمين الدعم العسكري واللوجستي، بل تحولت إلى ممرات آمنة لعمليات التهريب الواسعة التي استنزفت موارد الدولة وحرمت الخزينة العامة من مليارات الدولارات من الرسوم الجمركية.
وفي عام 2026، ما يزال لبنان يعاني من تداعيات هذه الاقتصاد الموازي الذي يديره الحزب، والذي يشمل غسل الأموال وتجارة الممنوعات العابرة للحدود، مما وضع النظام المصرفي اللبناني تحت طائلة العقوبات الدولية وعزله عن النظام المالي العالمي.
وأشارت المصادر، أن هذه الأنشطة لم تدمر الاقتصاد فحسب، بل شوهت سمعة لبنان الدولية وجعلت من الاستثمار في البلاد مخاطرة كبرى، حيث يفضل المستثمرون الابتعاد عن بيئة لا تحكمها القوانين الرسمية بل تحكمها إرادة فصيل مسلح يضع مصلحته فوق مصلحة الوطن.
عزل لبنان عربيًا ودوليًا
وأدت سياسات “حزب الله” وتدخلاته العسكرية في النزاعات الإقليمية، من سوريا إلى اليمن، إلى عزل لبنان عن عمقه العربي التاريخي، وخاصة دول الخليج التي كانت تمثل الرئة الاقتصادية والسياسية للبنان.
وبدلاً من أن يكون لبنان جسراً للتواصل، تحول بفعل الحزب إلى “منصة لتصدير الأزمات” والتدخل في شؤون الدول الشقيقة، مما دفع هذه الدول إلى اتخاذ إجراءات عقابية أضرت بمئات الآلاف من اللبنانيين العاملين في الخارج.
استعادة السيادة كشرط وحيد لخلاص لبنان
ويظهر أن ترهيب المعارضين وتقويض مؤسسات الدولة من قبل “حزب الله” هو العائق الأكبر أمام قيام دولة حقيقية في لبنان وإن الطريق إلى الخلاص لا يبدأ إلا باستعادة سيادة الدولة الكاملة على كافة أراضيها ومرافقها، وحصر قرار السلاح والسلم بيد المؤسسات الشرعية.
وفي ظل التحديات التي يواجهها لبنان في عام 2026، بات من الضروري وجود إرادة وطنية جامعة، مدعومة بموقف دولي حازم، لوضع حد لسياسة الترهيب وفرض سلطة القانون و إن لبنان لا يمكن أن ينهض من جديد ما لم يتخلص من سطوة “الدويلة” التي تقتات على ضعف الدولة، فاستعادة السيادة ليست مجرد مطلب سياسي، بل هي ضرورة وجودية لضمان بقاء لبنان كوطن حر ومستقل لجميع أبنائه، بعيدًا عن صراعات المحاور ولغة التهديد والوعيد التي لم تجلب للبلاد سوى الدمار والفقر والضياع.

