تعيش تونس فصلاً جديدًا ومنعطفًا تاريخيًا في مسارها السياسي الذي بدأ يتشكل بوضوح منذ إجراءات يوليو 2021، حيث تبلورت ملامح ما يمكن تسميته بـ “نهاية حقبة الإسلام السياسي” في البلاد.
إن الصراع المحتدم الذي شهدته الساحة التونسية على مدار العقد الماضي يبدو أنه قد وصل إلى محطته الأخيرة من الناحية الهيكلية والتنظيمية، خاصة مع صدور سلسلة من الأحكام القضائية النهائية والباتة ضد قيادات الصف الأول في حركة النهضة، وعلى رأسهم راشد الغنوشي.
هذا المشهد يطرح التساؤلات حول ما إذا كان تغييب هذه الرموز عن المشهد العام سيعيد الاستقرار المفقود للبلاد، أم أن الدولة التونسية بصدد مواجهة جبهات جديدة من الصراع قد تتخذ أشكالاً غير تقليدية، تتجاوز حدود العمل الحزبي المنظم لتصل إلى صراعات اقتصادية واجتماعية تتطلب حلولاً جذرية تتعدى مجرد التصفية السياسية للخصوم.
أحكام الغنوشي وتحريك الحجر الأخير في جدار النهضة
تمثل الأحكام القضائية المشددة الصادرة بحق راشد الغنوشي وعدد من المقربين منه “الحجر الأخير” الذي تهاوى من جدار حركة النهضة المتهالك أصلاً منذ إغلاق مقراتها ومنع نشاطها الفعلي.
وترى مصادر، أن هذه الأحكام لم تكن مجرد إجراءات قانونية معزولة، بل كانت تتويجًا لمسار سياسي وقضائي طويل استهدف تفكيك شبكات النفوذ التي بناها التنظيم على مدار عشر سنوات ومع غياب “الرأس المدبر” خلف القضبان، وجدت الحركة نفسها في حالة من الشلل التام، حيث تشتت القواعد الشعبية وغابت القيادات البديلة القادرة على المناورة أو طرح مبادرات تصالحية.
وقالت المصادر: إن هذا الفراغ التنظيمي ينهي عملياً قدرة الإخوان على التأثير في القرار الوطني التونسي، لكنه في الوقت ذاته يضع السلطة القائمة أمام تحدي ملء هذا الفراغ ببدائل سياسية وطنية تمنع انزلاق القواعد المحبطة نحو التطرف أو العمل السري.
مآلات حظر التنظيم وانعكاساته على السلم المجتمعي
بينما يتزايد الحديث في عام 2026 عن صدور قرار رسمي ونهائي بحظر حركة النهضة وتصنيفها كجماعة غير قانونية، تبرز مخاوف من أن يؤدي هذا “الحظر القانوني” إلى فتح جبهات مواجهة تحت الأرض.
إن التاريخ السياسي التونسي يخبرنا أن التنظيمات العقائدية تمتلك قدرة على الكمون وإعادة التشكل في فترات الأزمات، ولذلك فإن إنهاء الحقبة سياسيًا يتطلب بالضرورة عملاً ثقافيًا وفكريًا يفكك المرجعيات التي استند إليها هذا التيار، و إن الدولة التونسية اليوم مطالبة بتعزيز السلم المجتمعي من خلال استيعاب كافة الأطياف تحت مظلة القانون والدستور الجديد، وضمان عدم تحول الصراع السياسي إلى صراع صفري يؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الضاغطة التي قد يستغلها البعض لإعادة إنتاج خطاب المظلومية التاريخية الذي برعت فيه التيارات الإسلامية لعقود.
الجبهات الجديدة.. التحدي الاقتصادي والاجتماعي هو الفيصل
بعيدًا عن صراع “الدولة والإخوان”، تبرز في عام 2026 جبهات صراع أكثر خطورة تتمثل في الأزمات المعيشية، وارتفاع معدلات التضخم، وقضايا الهجرة غير الشرعية.
إن نهاية حقبة النهضة قد تمنح السلطة هدوءًا سياسيًا مؤقتًا، لكنها تضعها في مواجهة مباشرة مع مطالب الشارع التي لا تعترف بالانتصارات السياسية مالم تترجم إلى تحسن في جودة الحياة.
تونس بين طي الصفحة وكتابة تاريخ جديد
يمكن القول: إن تونس في عام 2026 قد طوت بالفعل صفحة كبيرة ومؤلمة من تاريخها السياسي المعاصر، لكن كتابة التاريخ الجديد ما تزال في مراحلها الأولى، وإن الأحكام الصادرة ضد الغنوشي وحظر نشاط النهضة قد ينهيان الصراع بآلياته القديمة، لكنهما يفتحان الباب أمام مسؤولية تاريخية كبرى ملقاة على عاتق الدولة والمجتمع المدني.

