ذات صلة

جمع

سياسات “الترميم الهشة”.. هل ينهار “البنيان” التونسي أمام زحف الأمواج؟

تواجه تونس واحدًا من أخطر التحديات الوجودية، حيث لم...

من قلب الأزمات.. كيف تحول “المستحيل” بالعراق إلى واقع أمني بشهادة أممية؟

نجح العراق في تحقيق اختراق استراتيجي كبير على الساحة...

نهاية المناورة.. مسارات حاسمة لكسر شوكة الإخوان في أوروبا

تشهد الساحة الأوروبية تحولًا جذريًا ومفصليًا في استراتيجية التعامل...

من قلب الأزمات.. كيف تحول “المستحيل” بالعراق إلى واقع أمني بشهادة أممية؟

نجح العراق في تحقيق اختراق استراتيجي كبير على الساحة الدولية، حيث أعلنت التقارير الأخيرة الصادرة عن بعثات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بالأمن والسلام، عن تقدم العراق ثلاث مراكز كاملة في التصنيف الأمني العالمي، وهي القفزة التي وصفها مراقبون بأنها تحول من “المستحيل” إلى واقع ملموس.

إن هذا التقدم لم يكن مجرد صدفة رقمية، بل هو انعكاس لجهود مضنية بذلتها الدولة العراقية على مدار السنوات القليلة الماضية في سبيل استعادة هيبة القانون وتقويض بؤر التوتر الميداني.

ويأتي هذا الاعتراف الأممي ليؤكد أن العراق بدأ فعلياً في مغادرة “منطقة الخطر” التقليدية التي اقترن بها اسمه لعقود، ليدخل مرحلة جديدة من الاستقرار المستدام الذي يمهد الطريق لإعادة دمج البلاد في المنظومة الاقتصادية والاستثمارية العالمية بصورة أكثر فعالية وأمانًا.
دلالات التقدم الأمني

استند تصنيف الأمم المتحدة الجديد الذي منح العراق دفعة قوية للأمام على مجموعة من المعايير الصارمة التي شهدت تحسنًا ملحوظًا، أبرزها انخفاض معدلات العمليات المسلحة بنسبة قياسية، وتراجع مؤشرات الجريمة المنظمة، فضلاً عن النجاح الواضح في ضبط الحدود وتأمين المدن الكبرى. وترى الدوائر الدولية أن قدرة المؤسسات الأمنية العراقية على فرض سيطرتها دون الحاجة لتدخلات دولية مباشرة، عززت من مصداقية الدولة أمام المجتمع الدولي.

إن هذا التقدم يعني عمليًا تخفيض مستويات المخاطر في تقارير التأمين الدولية وتكاليف الشحن والخدمات اللوجستية، مما يجعل العراق وجهة أكثر جاذبية للشركات متعددة الجنسيات التي كانت تتردد في دخول السوق العراقية بسبب الهواجس الأمنية السابقة، وهو ما يمثل انتصارًا للدبلوماسية الأمنية التي انتهجتها بغداد مؤخرًا.

سياسة فرض القانون وحصر السلاح

لا يمكن فصل هذا النجاح الأممي عن السياسات الداخلية التي تبنتها الحكومة المركزية، حيث شكلت حملات حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز دور القضاء في ملاحقة الجماعات الخارجة عن القانون حجر الزاوية في هذا الاستقرار.

وقد ساهم التنسيق العالي بين مختلف الصنوف العسكرية والاستخباراتية في تجفيف منابع الإرهاب وتفكيك شبكات الجريمة العابرة للحدود، إن الواقع الأمني في العراق اليوم بات يتسم بالانتقال من “أمن المواجهة” إلى “أمن الوقاية”.

حيث تعتمد الأجهزة الأمنية الآن على التكنولوجيا المتطورة والجهد المعلوماتي أكثر من الاعتماد على العسكرة المفرطة للمدن، هذا التحول الجوهري في العقيدة الأمنية العراقية هو ما دفع الأمم المتحدة لتعديل تصنيفها، مؤكدة أن البيئة العراقية باتت قادرة على حماية المواطنين والزوار والمستثمرين على حد سواء وفق المعايير الدولية المعترف بها.

الانعكاسات الاقتصادية والاستثمارية

يمثل التقدم في التصنيف الأمني للأمم المتحدة “شهادة ضمان” للمستثمرين الأجانب، حيث أن أغلب صناديق الاستثمار العالمية تعتمد بشكل كلي على تقارير الأمن والسلام الدولية لتحديد وجهاتها.

ومع صعود العراق ثلاث مراكز، يتوقع الخبراء الاقتصاديون تدفق رؤوس أموال ضخمة في قطاعات الطاقة، والإنشاءات، والاتصالات، بالإضافة إلى انتعاش قطاع السياحة، لا سيما السياحة الدينية والأثرية التي كانت تعاني من قيود السفر الدولية.

إن هذا التحسن الأمني سيؤدي بالضرورة إلى تحسين ترتيب العراق في “مؤشر سهولة ممارسة الأعمال”، حيث يرتبط الاستقرار الأمني ارتباطًا طرديًا مع استقرار البيئة القانونية والمالية، وهو ما يطمح إليه العراق لتعزيز موارده غير النفطية وبناء اقتصاد متنوع وقوي يقادر على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية في المستقبل.

لقد نجح العراق في تحويل “المستحيل” إلى واقع معاش، مثبتًا أن الدولة القوية القادرة هي الملاذ الوحيد لجميع مواطنيها، إن هذا الاعتراف الدولي يضع العراق على السكة الصحيحة نحو الريادة الإقليمية، ويؤكد أن بغداد اليوم لم تعد تلك العاصمة المثقلة بالهموم الأمنية، بل هي عاصمة واعدة تنبض بالحياة وتتطلع نحو مستقبل مشرق.