يواجه لبنان في المرحلة الراهنة تقاطعًا خطيرًا بين التحديات الأمنية والانهيار الاقتصادي، حيث باتت معادلة “الأمن مقابل الرخاء” تفرض نفسها على طاولة القرار السياسي بشكل غير مسبوق.
إن تصريح الرئاسة اللبنانية بأن السلام لا يمكن إرساؤه دون ضمان أمن الجنوب، ليس مجرد موقف سيادي، بل هو توصيف دقيق لواقع اقتصادي مرير، حيث يمثل الجنوب اللبناني شريان حياة حيويًا، وتؤدي حالة عدم الاستقرار فيه إلى نزيف مالي لا تستطيع الخزينة المنهكة تحمله لفترات طويلة.
ما هي التداعيات المباشرة لغياب الاستقرار الجنوبي على مؤشرات النمو؟
وقالت مصادر: إن المناطق الجنوبية في لبنان تعتبر من الركائز الأساسية للنشاط الزراعي والسياحي، وغياب الحلول الجذرية للأزمات الحدودية يعني بالضرورة تعطيل هذه المحركات الاقتصادية بشكل دوري ومستمر.
وعندما تندلع التوترات، تتوقف الاستثمارات في القطاع العقاري والسياحي في واحدة من أجمل السواحل اللبنانية، مما يؤدي إلى انكماش في الناتج المحلي الإجمالي وزيادة معدلات البطالة بين الشباب الجنوبي الذين يضطرون للنزوح نحو العاصمة أو الهجرة للخارج.
إن الاقتصاد اللبناني، الذي يعاني أصلاً من أزمة سيولة وفقدان للثقة في القطاع المصرفي، لا يملك الرفاهية لانتظار حلول ترقيعية، فكل يوم يمر دون ضمانات أمنية واضحة في الجنوب يترجم إلى خسائر بمليارات الدولارات في قطاعات الإنتاج والخدمات.
أمن الحدود كمدخل إلزامي لجذب الاستثمارات الأجنبية المفقودة
لا يمكن الحديث عن نهوض اقتصادي أو خطة تعافٍ مالي دون توفر بيئة آمنة ومستقرة تجذب رؤوس الأموال الأجنبية والمغتربين اللبنانيين الذين يشكلون العمود الفقري لتدفقات العملة الصعبة.
إن المستثمر الدولي يبحث دائمًا عن “الاستقرار الجيوسياسي” قبل النظر في الجدوى الاقتصادية، وطالما ظل الجنوب اللبناني منطقة قابلة للانفجار في أي لحظة، فإن صناديق الاستثمار العالمية ستظل حذرة من الدخول إلى السوق اللبناني ومن هنا، يصبح أمن الجنوب ليس مطلبًا عسكريًا فحسب، بل هو “بطاقة ائتمان” سياسية يحتاجها لبنان لإعادة ربط نفسه بالدورة الاقتصادية العالمية واستعادة ثقة المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
قطاع الطاقة والغاز
يمثل ملف التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية الجنوبية الأمل الأخير لإنقاذ لبنان من إفلاسه المحتوم، إلا أن استخراج هذه الثروات يظل رهيناً بالاستقرار الأمني الميداني.
إن الشركات العالمية الكبرى التي تعمل في بلوكات الطاقة لا يمكنها الاستمرار في عمليات الحفر والاستخراج في بيئة مضطربة أو مهددة عسكريًا، مما يعني أن أي تأخير في إرساء حلول جذرية لأمن الجنوب هو تأخير مباشر لعملية استخراج الغاز، وبناءً عليه، فإن فاتورة غياب السلام في الجنوب لا تقتصر على الخسائر الحالية، بل تمتد لتشمل “فرصًا ضائعة” من ثروات سيادية كانت كفيلة بسداد جزء كبير من الدين العام وتوفير الطاقة الكهربائية المفقودة.
الضغط على البنية التحتية وكلفة النزوح الداخلي المتكرر
تؤدي الأزمات الأمنية في الجنوب إلى موجات نزوح داخلي تضغط بشكل هائل على البنية التحتية المتهالكة أصلاً في بيروت والمناطق الجبلية، وهو ما يرفع من كلفة الإنفاق الحكومي غير المنتج.
إن تأمين السكن والخدمات الطبية والتعليمية للنازحين في حالات الطوارئ يستهلك موارد مالية كان من المفترض توجيهها لمشاريع تنموية.
كما أن دمار البنية التحتية في القرى الحدودية نتيجة المناوشات العسكرية يتطلب ميزانيات ضخمة لإعادة الإعمار لا تتوفر حاليًا في خزينة الدولة هذا الاستنزاف المستمر للموارد المحدودة يضع الاقتصاد اللبناني في حلقة مفرغة من “الهدم والبناء” بدلاً من “البناء والنمو”، مما يعمق الفجوة الطبقية ويزيد من حدة الفقر.
تأثير الاضطراب الأمني على سلاسل التوريد والتجارة الخارجية
يعتمد لبنان بشكل كبير على الموانئ والطرق الدولية لتأمين احتياجاته الأساسية، وأي اهتزاز أمني في الجنوب يؤثر فورًا على حركة التجارة البرية والمنطقة الاقتصادية الخالصة.
إن حالة اللا-سلم واللا-حرب ترفع من تكاليف التأمين على الشحن والناقلات المتجهة إلى لبنان، مما ينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع الاستهلاكية والمواد الغذائية التي يدفع ثمنها المواطن اللبناني البسيط.
إن ضمان أمن الجنوب يعني بالضرورة خفض المخاطر السيادية للدولة، وهو ما سيؤدي تدريجيًا إلى انخفاض الأسعار وتحسن القوة الشرائية، مما يثبت أن الحل الأمني هو المدخل الوحيد للحل الاجتماعي والمعيشي.
نحو استراتيجية وطنية تزاوج بين الأمن والإنماء
يبدو واضحًا أن الاقتصاد اللبناني وصل إلى مرحلة لا يمكنه فيها تحمل “أنصاف الحلول” أو الرهان على عامل الوقت في ملف الجنوب، فالفاتورة الاقتصادية لغياب الاستقرار باتت تتجاوز قدرة الدولة والمجتمع على الصمود.
إن الربط الرئاسي بين أمن الجنوب والسلام الشامل هو دعوة صريحة للمجتمع الدولي والداخل اللبناني لإدراك أن الاستقرار العسكري هو “البنية التحتية” التي سيقوم عليها أي إصلاح مالي مستقبلي بدون ضمانات حقيقية ودائمة في الجنوب، سيبقى الاقتصاد اللبناني رهينة للتجاذبات الإقليمية، وسيبقى حلم التعافي مجرد حبر على ورق في خطط الحكومات المتعاقبة.

