بينما كانت رياح التغيير تعصف بمدن الشمال السوري وصولاً إلى الحسكة، كانت بغداد تراقب المشهد بعيون تملؤها الحذر والترقب، لم تكن الجغرافيا وحدها هي الرابط، بل كانت تلك “الخيوط غير المرئية” التي ربطت لسنوات طويلة بين الاستقرار الأمني في العراق وبين التوازنات الطائفية العابرة للحدود.
اليوم، ومع مطلع عام 2026، يبرز السؤال في أروقة صنع القرار، هل انتهى عصر “الاستثمار السياسي” في الورقة الطائفية، أم أن ما نراه ليس سوى “إعادة تموضع” لمراكز القوى؟
الجغرافيا السياسية.. صدى “الحسكة” في أزقة بغداد
لطالما اعتبرت المناطق الممتدة من الحسكة السورية إلى نينوى والأنبار العراقية “رئة” يتنفس منها الخطاب الطائفي، ففي سنوات الصراع، استُخدمت الحدود كأداة لتغذية المخاوف المتبادلة، إلا أن عام 2026 يحمل مشهدًا مختلفًا؛ فالدولة العراقية، التي أعلنت مؤخرًا تأمين حدودها بالكامل واستكمال المرحلة الأولى من إنهاء مهمة التحالف الدولي، بدأت تتحرر تدريجياً من ضغوط “تصدير الأزمات”.
سقوط معادلات قديمة في الداخل السوري قلص من قدرة الأطراف الإقليمية على استخدام “الفزاعة الطائفية” داخل العراق.
لم يعد الشارع العراقي يستجيب بالزخم ذاته لخطابات “المظلومية” أو “التهديد الوجودي”، خاصة مع تحول الاهتمام الشعبي نحو ملفات الخدمات، البطالة، ومكافحة الفساد.
انتخابات 2025.. بداية التصدع في “المحاصصة”
شكلت الانتخابات البرلمانية التي جرت في أواخر عام 2025 منعطفاً حاسماً، ورغم أن النتائج أفرزت صعود كتل تقليدية مثل ائتلاف “محمد شياع السوداني” و”الحزب الديمقراطي الكردستاني” و”حزب تقدم”، إلا أن لغة الأرقام كشفت عن تراجع حاد في قدرة الأحزاب القائمة على “الهوية الطائفية الصرفة” على حشد الجماهير.
وفقًا لتقارير أممية صدرت في يناير 2026، فإن نسبة الإقبال التي وصلت إلى 56% تعكس رغبة شعبية في “الاستقرار المؤسسي”.
اللافت في هذه الدورة كان بروز “الخلافات البينية” داخل المكون الواحد بشكل فاق الصراع بين المكونات المختلفة.
فالصراع اليوم في بغداد ليس “سنيًا-شيعيًا”، بل هو صراع برامج سياسية وتنافس على قيادة الدولة، وهو ما تراه مصادر “نضجًا اضطراريًا” فرضته المصالح الاقتصادية والضغوط الشعبية.
محركات التغيير.. لماذا الآن؟
ثمة ثلاثة عوامل أساسية تشير إلى أن ظروف إنهاء “الاستثمار الطائفي” قد نضجت بالفعل الاقتصاد بدلاً من الإيديولوجيا، فمع تذبذب أسعار النفط وحاجة العراق الماسة لتنويع مصادر دخله، أصبح “الاستقرار” سلعة غالية الثمن. الحكومة الحالية تدرك أن أي توتر طائفي سيعطل مشروعات كبرى مثل “طريق التنمية” ويطرد الاستثمارات الأجنبية التي بدأت تتدفق في 2024 و2025.
وتراجع النفوذ الخارجي والتحولات الإقليمية الكبرى، وخاصة تراجع قدرة الأطراف الإقليمية على تمويل الفصائل المسلحة أو توظيفها في صراعات وكالة، أجبرت الكثير من القوى “الولائية” على التحول إلى أحزاب سياسية مدنية تسعى للحصول على شرعية من خلال “صندوق الاقتراع” لا “فوهة البندقية”.
والجيل الجديد “ما بعد تشرين”، يمثل الشباب الذين لم يعاصروا ذروة الحرب الأهلية (2006-2008) الكتلة التصويتية الأكبر.
هؤلاء يطالبون بـ “دولة المواطنة” ويرفضون التقسيمات التي وضعتها “بول بريمر” في 2003. بالنسبة لهم، النجاح يُقاس بعدد فرص العمل، لا بعدد المناصب الممنوحة لهذا المذهب أو ذاك.
التحديات القائمة.. السلاح المنفلت والفساد
رغم هذا التفاؤل، ما يزال الطريق محفوفًا بالمخاطر، فالمحاصصة الطائفية “المعروفة بـ “المكوناتية” ليست مجرد نظام سياسي، بل هي شبكة معقدة من المصالح المالية. إنهاء الطائفية يعني إنهاء “اقتصاديات الفساد” التي تغذيها تلك الأحزاب.
هل نضجت الظروف فعلاً؟
الظروف الموضوعية نضجت، لكن “الإرادة السياسية” ما تزال تخضع لمناورات اللحظة الأخيرة، إن مشهد عودة النازحين من مخيمات الشمال السوري إلى مدنهم في الأنبار وصلاح الدين دون حساسيات مذهبية، وبدء الحديث عن “البصرة كإقليم فيدرالي” على أسس اقتصادية لا طائفية، يعطي مؤشرات قوية على أن العراق بدأ يغادر “عنق الزجاجة” وإن إنهاء الاستثمار السياسي في الطائفية لا يعني اختفاء الطوائف، بل يعني تحويلها من “متاريس للقتال” إلى “تنوع يثري الدولة”، وبحلول نهاية عام 2026، ومع الانسحاب الكامل للقوات الأجنبية، سيكون العراق أمام الاختبار الأكبر، هل يستطيع العيش بلا “عدو داخلي”؟

