في وقت تمر فيه الأزمة الليبية بمرحلة من “الجمود القاتل” الذي يهدد بالعودة إلى مربع الصدام العسكري، تتجه الأنظار صوب قصر قرطاج في تونس.
لم تعد تونس تكتفي بموقع المتفرج على جارتها الشرقية، بل بدأت في صياغة حراك دبلوماسي مكثف يهدف إلى كسر “الاستعصاء السياسي”.
تحت عنوان “قمة تونس لجمع الفرقاء”، تسعى الدبلوماسية التونسية لتقديم مبادرة وطنية خالصة تتجاوز التدخلات الدولية وتضع “رؤوس” السياسة الليبية أمام مسؤولياتهم التاريخية.
لماذا الآن؟… تونس ومحرك “الضرورة الأمنية والاقتصادية”
لا يمكن فصل الحماس التونسي عن الواقع الداخلي؛ فاستقرار ليبيا هو امتداد حيوي للأمن القومي التونسي. ومع دخول عام 2026، أدركت الدولة التونسية أن “إدارة الأزمة” دوليًا لم تعد تجدي نفعًا، وأن الحل يجب أن ينبع من دول الجوار.
تخطط تونس لجمع الأطراف الرئيسية “المجلس الرئاسي، حكومة الوحدة الوطنية، مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة”، في جلسات مغلقة تهدف إلى تذليل العقبات أمام قانون الانتخابات وتشكيل حكومة تسيير أعمال موحدة.
محاور الخطة التونسية..كيف ستجمع “الرؤوس”؟
تعتمد تونس في استراتيجيتها الجديدة على ثلاثة محاور أساسية تجعل من قمة قرطاج مختلفة عن سابقاتها في باريس أو برلين أو الصخيرات، حيث تتمتع تونس بعلاقة متوازنة مع كافة الأطراف الليبية فهي لم تنخرط في سياسة المحاور العسكرية، مما يمنحها صفة “الوسيط النزيه”.
تسعى القمة إلى عقد لقاءات ثنائية “وجه لوجه” بين الشخصيات المؤثرة بعيدًا عن صخب الإعلام، لكسر حاجز الجليد وبناء الثقة المفقودة.
ولا تتحرك تونس بمفردها؛ بل تنسق مع الجزائر والقاهرة لضمان “وحدة الموقف الإقليمي” فالخطة التونسية تهدف إلى إيجاد صيغة ترضى عنها الأمم المتحدة ولكن بصناعة محلية، لقطع الطريق أمام القوى الدولية التي تستفيد من استمرار الانقسام الليبي.
وتدرك تونس، أن المحرك الحقيقي للصراع هو “توزيع الثروة”. لذا، تتضمن مسودة قمة تونس مقترحات لتوحيد المؤسسات المالية وتفعيل آلية شفافة لمراقبة عوائد النفط، وهو ما قد يشجع “أمراء السياسة” على القبول بتسوية تضمن مصالح مناطقهم دون اللجوء للسلاح.
العوائق أمام “طاولة قرطاج”.. هل ينجح الجار فيما فشل فيه العالم؟
رغم التفاؤل، تظل الطريق إلى طرابلس عبر تونس محفوف بالمخاطر فهناك تحديات جسيمة تواجه هذه المبادرة منها التدخلات الأجنبية ووجود القوات الأجنبية والمرتزقة يظل ورقة ضغط تستخدمها قوى كبرى لعرقلة أي تقارب ليبي-ليبي خالص والمستفيدون من الوضع القائم فهناك طبقة سياسية في ليبيا ترى في “الانتخابات” تهديدًا لمصالحها ومناصبها، وبالتالي ستسعى لإفشال أي مخرج من قمة تونس.
“قمة تونس” في عيون الليبيين.. أمل أم مناورة؟
في الشارع الليبي، تُقابل التحركات التونسية بنوع من “التفاؤل الحذر” فالتونسيون والليبيون يرتبطون بوشائج اجتماعية واقتصادية عميقة، وهذا الرصيد الشعبي هو ما تراهن عليه تونس للضغط على الساسة. إذا نجحت تونس في انتزاع تعهد بـ “تاريخ محدد للانتخابات” وتشكيل “سلطة تنفيذية موحدة”، فستكون قد حققت اختراقًا عجزت عنه القوى العظمى لسنوات.
هل تكون تونس “بوابة العبور” نحو الدولة؟
إن استضافة تونس لفرقاء الأزمة الليبية ليست مجرد لفتة بروتوكولية، بل هي محاولة جادة لإعادة الاعتبار للدور العربي والمغاربي في حل الأزمات الإقليمية ونجاح “طاولة قرطاج” يعني بداية نهاية الحقبة الانتقالية في ليبيا، وفشلها قد يعني غرق المنطقة في دوامة جديدة من الفوضى لا أحد يعلم مداها.

