تمثل ليبيا اليوم الحالة الأكثر تعقيدًا في ملف الهجرة غير النظامية، حيث تحولت من مجرد دولة عبور إلى «ثقب أسود» يبتلع آلاف المهاجرين الطامحين في الوصول إلى الضفاف الأوروبية.
إن ما يحدث بين رمال الصحراء الكبرى وشواطئ البحر المتوسط ليس مجرد أزمة لجوء، بل هو نشاط إجرامي منظم يزدهر في بيئة يوفر فيها «فراغ القانون» والانقسام السياسي الغطاء المثالي لشبكات الإتجار بالبشر الدولية.
مسارات التهريب
حيث تبدأ الرحلة من الحدود الجنوبية المترامية الأطراف مع تشاد والنيجر والسودان، حيث تسيطر مليشيات وعصابات تهريب عابرة للحدود على ممرات الصحراء.
في هذه المناطق، يُعامل المهاجر كـ«سلعة» تُباع وتُشترى، ويتم تجميع المهاجرين في «مستودعات» سرية تفتقر لأدنى المقومات البشرية، حيث يتعرضون لعمليات ابتزاز ممنهجة.
حيث تُجبر العائلات في بلدانهم الأصلية على دفع مبالغ خيالية مقابل إطلاق سراح أبنائهم، وفي حال العجز عن الدفع، يكون المصير هو العمل القسري أو البيع لمجموعات أخرى، وهو ما يعيد للأذهان صور «أسواق النخاسة» التي وثقتها تقارير دولية صادمة.
فراغ القانون
إن المعضلة الكبرى في ليبيا لا تكمن فقط في وجود عصابات التهريب، بل في غياب منظومة قانونية وقضائية قادرة على المحاسبة.
كما أن الانقسام المؤسسي بين الشرق والغرب خلق مناطق «رمادية» قانونيًا، حيث تسيطر المليشيات على مراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية.
في هذه البيئة، يصبح القانون «وجهة نظر» يفرضها من يملك السلاح، وغياب الرقابة القضائية يعني أن جرائم التعذيب والقتل والإخفاء القسري تمر دون عقاب، مما يمنح المتاجرين بالبشر حصانة تجعل من نشاطهم تجارة «صفرية المخاطر» وعالية الأرباح.
الإتجار بالأعضاء والانتهاكات الجنسية
لا تتوقف الانتهاكات عند حد التهريب، بل تشير تقارير استقصائية إلى ظهور أنماط مرعبة من الإتجار بالأعضاء البشرية والاعتداءات الجنسية الممنهجة ضد النساء والقُصّر.
حيث يتم استغلال حاجة المهاجرين وضعفهم القانوني لإخضاعهم لعمليات استغلال بشعة، ومع تزايد أعداد «مقابر مجهولي الهوية» في مدن مثل صبراتة وزوارة وبني وليد، تضيع هوية الضحايا وتُدفن معهم أسرار الجرائم التي ارتُكبت بحقهم، مما يُصعّب مهمة المنظمات الدولية في توثيق هذه الفظائع.
وصمة عار في جبين الإنسانية وغياب العدالة
إن تحوّل الجغرافيا الليبية من الصحراء إلى الساحل إلى مسرح مفتوح لجرائم الإتجار بالبشر هو نتاج طبيعي لانهيار مفهوم «الدولة» وسيادة القانون. لا يمكن للعالم أن يستمر في غض الطرف عن المقابر الجماعية والمستودعات البشرية في ليبيا تحت ذرائع سياسية أو أمنية.
كما أن دماء المهاجرين التي تروي رمال الصحراء وتصبغ مياه المتوسط ستبقى وصمة عار تلاحق المجتمع الدولي الذي اكتفى بالمراقبة والتمويل لمراكز احتجاز تفتقر إلى الشرعية.
وقالت مصادر إن الحل لا يبدأ من البحر، بل من استعادة هيبة القانون داخل ليبيا وتجفيف منابع تمويل المليشيات التي تقتات على عرق ودماء البؤساء.
إن شرعنة «فراغ القانون» هي الجريمة الكبرى، لأنها حولت ليبيا إلى ملاذ آمن للمجرمين الفارين من العدالة الدولية. فإننا أمام أزمة أخلاقية قبل أن تكون أمنية؛ فكل مهاجر يُدفن في «قبر مجهول» هو شاهد على فشل المنظومة الحقوقية العالمية.

