في ظل التعقيدات الميدانية والإنسانية التي تفرض نفسها على قطاع غزة في مطلع عام 2026، برزت تصريحات المنسق الأممي السابق والخبير في الشؤون الإقليمية، نيكولاي ملادينوف، كخارطة طريق جديدة تهدف إلى فك طلاسم الأزمة المستعصية.
لجنة التكنوقراط: الحل الفني في مواجهة الاستعصاء السياسي
يرى ملادينوف، أن العقبة الكبرى التي واجهت غزة على مدار العقدين الماضيين هي “تسييس الخدمات” لذا، فإن طرح لجنة التكنوقراط يأتي ليكون جسرًا مهنيًا يعبر فوق الخلافات الفصائلية.
وتتمثل مهام هذه اللجنة، حسب الرؤية المطروحة، في استعادة السيطرة التقنية على قطاعات المياه، الكهرباء، والصرف الصحي بعيدًا عن التجاذبات السياسية و توفير إدارة مهنية تحظى بقبول دولي لتسهيل حركة الأفراد والبضائع وضمان وصول المعونات الإنسانية إلى مستحقيها عبر قنوات تقنية شفافة تخضع لرقابة دولية صارمة.
التمكين الميداني.. ماذا يعني في لغة “ملادينوف”؟
الكلمة المفتاحية في خطاب ملادينوف كانت “التمكين الميداني”، فهو يرى أن تشكيل لجنة من الخبراء يظل حبرًا على ورق ما لم تمنح هذه اللجنة “أنيابًا” وصلاحيات فعلية على الأرض.
هذا التمكين يتطلب توفير حصانة دولية لأعضاء اللجنة وموظفيها لضمان عدم تعرضهم لضغوط من أي أطراف محلية و إنشاء صندوق تمويل مباشر يخضع لإشراف اللجنة والجهات المانحة، لضمان سرعة تنفيذ المشاريع الحيوية و قدرة الطواقم الفنية على الوصول إلى كافة مناطق القطاع والعمل في المنشآت الحيوية دون قيود أمنية معرقلة.
هل يمهد هذا المسار لعهد جديد؟
السؤال الذي يطرحه الشارع الغزي اليوم، هل يمكن لهؤلاء الخبراء النجاح حيث فشل السياسيون؟ يراهن ملادينوف على أن “التكنوقراط” يمتلكون لغة مشتركة مع المجتمع الدولي والمؤسسات المالية الكبرى، فتمكينهم ميدانيًا يعني بالضرورة تشجيع الدول المانحة على ضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية لغزة تقليل حدة الاحتكاك اليومي بين السكان والسلطات السياسية عبر تحسين جودة الحياة اليومية.
غزة 2026.. بين أحلام “التكنوقراط” وواقع “الميدان”
تأتي صرخة ملادينوف حول ضرورة تمكين لجنة التكنوقراط في وقت لم يعد فيه قطاع غزة يمتلك ترف الوقت، فالمعاناة الإنسانية بلغت مستويات تتجاوز قدرة المجتمع على الاحتمال، والحلول التقليدية القائمة على المحاصصة السياسية لم تنتج سوى المزيد من الأزمات، وإن الانتقال نحو “إدارة الخبراء” يمثل فرصة تاريخية لفصل الملف الإنساني والخدمي عن صراع الإرادات السياسية.
لكن، وبالرغم من مثالية هذا الطرح، يبقى التحدي الحقيقي في “الميدان”، فهل ستقبل القوى الميدانية الفاعلة في غزة بالتنازل عن سيطرتها لصالح لجنة مهنية؟ وهل سيلتزم المجتمع الدولي بتوفير الحماية الكافية لهذه اللجنة؟ إن نجاح لجنة التكنوقراط يعني بداية عهد جديد تسوده لغة “الأرقام والاحتياجات” بدلاً من لغة “الشعارات والصدامات”.
إن غزة في عام 2026 لا تحتاج إلى وعود سياسية جديدة، بل تحتاج إلى مهندسين، وأطباء، واقتصاديين يمتلكون صلاحية القرار والقدرة على التنفيذ، وإذا نجح العالم في تبني رؤية ملادينوف وتحويلها من “فيديو وتصريح” إلى “واقع ملموس”، فقد نرى غزة تتحول من ساحة للصراع إلى نموذج للبناء المستند إلى العلم والكفاءة، والسياسة قد تبدأ الحروب، لكن الكفاءة المهنية هي وحدها القادرة على بناء السلام المستدام.

