منذ تصاعد العمليات العسكرية على الحدود اللبنانية، دخلت قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل”، مرحلة هي الأخطر في تاريخها الممتد منذ عام 1978.
فلم يعد الأمر مقتصرًا على نيران صديقة أو أخطاء ميدانية، بل تشير الوقائع والتقارير الدولية إلى “استهداف متعمد” شمل قصف أبراج المراقبة، واقتحام المواقع بالدبابات، وإصابة الجنود الأمميين بجروح مباشرة.
السياق الميداني
حيث تنتشر قوات اليونيفيل، التي تضم أكثر من 10 آلاف جندي من حوالي 50 دولة، على طول “الخط الأزرق” الفاصل بين لبنان وإسرائيل، وتتمثل مهمتها الأساسية وفق القرار 1701 في مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم الجيش اللبناني، إلا أن الجيش الإسرائيلي اعتبر وجود هذه القوات في بعض النقاط “عائقًا” أمام تحركاته العسكرية الرامية لإنشاء منطقة عازلة وتدمير البنية التحتية لحزب الله.
الاستهدافات الأخيرة لم تكن عشوائية، فقد وثقت الأمم المتحدة حالات تم فيها إطلاق النار مباشرة على كاميرات المراقبة ومنظومات الاتصال داخل المواقع الأممية، مما يعكس رغبة في “إعماء” المجتمع الدولي عما يحدث في الميدان ورفع الغطاء الرقابي عن العمليات البرية.
الأبعاد القانونية
ففي القانون الدولي الإنساني، تتمتع قوات حفظ السلام بحماية خاصة مماثلة لتلك التي يتمتع بها المدنيون، طالما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية.
وقالت مصادر: إن تعمد توجيه هجمات ضد أفراد ومنشآت بعثات حفظ السلام يُصنف وفق “نظام روما الأساسي” للمحكمة الجنائية الدولية كـ جريمة حرب.
كما أكدت المصادر، أن استهداف “الخوذ الزرقاء” يعني ضرب عرض الحائط بسيادة الأمم المتحدة، وهو ما وصفه الأمين العام “أنطونيو غوتيريش” بأنه “غير مقبول” وانتهاك صارخ للقانون الدولي، فالهجوم على اليونيفيل ليس هجومًا على جنود من جنسيات مختلفة فحسب، بل هو هجوم على السلطة الأخلاقية والسياسية لمجلس الأمن الذي منحهم هذا التفويض.
ما هي الأهداف السياسية من وراء التصعيد ضد الأمم المتحدة؟
وترى المصادر، أن إسرائيل تسعى من خلال هذا الضغط الميداني إلى تحقيق عدة أهداف منها إفراغ المنطقة الحدودية من أي شهود دوليين لتسهيل العمليات العسكرية الواسعة والضغط لتعديل مهام اليونيفيل في أي اتفاق مستقبلي لتصبح قوة ذات صلاحيات تنفيذية قتالية، أو استبدالها بصيغة أمنية جديدة تخدم الرؤية الإسرائيلية و محاولة فرض واقع جديد يتجاوز الترتيبات التي وضعت في عام 2006، معتبرة أن الآلية الحالية فشلت في منع تسلح الفصائل في الجنوب.
ردود الفعل الدولية
وتوالت الإدانات من العواصم المساهمة بالقوات، مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، حيث استدعت بعضها السفراء الإسرائيليين للاحتجاج، ومع ذلك، يظل الموقف الدولي منقسمًا في القدرة على ردع هذه الهجمات، مما يضع مصداقية الأمم المتحدة على المحك، وإذا استمر استهداف القوات الدولية دون عواقب حقيقية، فإن ذلك سيؤسس لسابقة خطيرة تجعل كافة بعثات حفظ السلام حول العالم عرضة للاستهداف من قبل أي طرف يشعر بأن وجودهم يعيق أهدافه العسكرية.
هل نعيش نهاية عصر “حفظ السلام”؟
وكشفت المصادر، أن المشهد في جنوب لبنان اليوم يتجاوز مجرد مواجهة عسكرية بين جيش وفصيل مسلح؛ إنه اختبار نهائي لما يسمى “الشرعية الدولية”، فعندما تسحق دبابات الميركافا أسوار مواقع الأمم المتحدة، فإنها لا تهدم جدرانًا أسمنتية فحسب، بل تهدم مفاهيم استقرت لعقود حول حصانة المنظمات الدولية ودورها كعازل للحروب الشاملة.

