وسط ركام الحرب وأصوات المدافع التي لا تهدأ في قطاع غزة، برزت إلى السطح مبادرة سياسية وإدارية تحمل اسم “لجنة الإسناد المجتمعي” أو ما يُعرف إعلاميًا بـ “لجنة إدارة غزة”.
إن هذه اللجنة ليست مجرد إجراء إداري عابر، بل هي محاولة لإيجاد معادلة توازن بين الضرورات الإنسانية الملحة والتعقيدات السياسية التي فرضها واقع “اليوم التالي” للحرب.
الجذور والنشأة
حيث جاءت فكرة اللجنة في ظل فراغ إداري حاد وتحديات لوجستية هائلة تواجه توزيع المساعدات وإدارة المرافق الحيوية، ومع استمرار الضغوط الدولية لترتيب وضع القطاع بعيدًا عن الصراعات العسكرية المباشرة، بدأت ملامح توافق وطني “برعاية مصرية” تتبلور لإنشاء جسم إداري يتولى المهام المدنية.
تعتمد اللجنة في شرعيتها على مرسوم يصدر من الرئاسة الفلسطينية، مما يمنحها غطاءً قانونيًا وطنيًا، ويهدف إلى قطع الطريق على أي محاولات لفرض إدارة خارجية أو “روابط قرى” جديدة لا تحظى بقبول شعبي.
كيف ستغير اللجنة الواقع الميداني؟
إن الدور المنوط بهذه اللجنة يتجاوز مجرد توزيع الحصص الغذائية؛ فهي تسعى لإحداث تغيير جذري في الملفات التالية حيث تهدف اللجنة إلى توحيد القنوات الإغاثية تحت مظلة واحدة، مما يمنع الازدواجية ويضمن وصول الدعم للفئات الأكثر تضررًا، خاصة في شمال القطاع الذي يعاني من مجاعة حقيقية.
ومن المتوقع أن تشرف اللجنة على ترميم وإدارة قطاعات الصحة، التعليم، والبلديات، وهي قطاعات شبه منهارة حاليًا، فمن خلال إشراك شخصيات تكنوقراط وممثلي فصائل، تعمل اللجنة كصمام أمان لمنع الفوضى الأمنية وتوفير حماية للمجتمع المحلي.
التحديات والعقبات
رغم التفاؤل الذي يحيط بتشكيل اللجنة، إلا أن الواقع يفرض تحديات جسيمة، فمن جهة، هناك التعنت الإسرائيلي الذي يرفض أي دور للسلطة الفلسطينية أو أجسام مرتبطة بتوافقات فصائلية في غزة. ومن جهة أخرى، يظل التمويل الدولي مرهوناً بضمانات سياسية وأمنية معقدة.
علاوة على ذلك، يبرز تساؤل، هل ستتمكن اللجنة من العمل بحرية في ظل السيطرة العسكرية الميدانية؟ فنجاح اللجنة يعتمد كليًا على قدرتها على انتزاع اعتراف دولي وتسهيلات في المعابر، وهو أمر يتطلب دبلوماسية رفيعة المستوى.
ما هي الأبعاد السياسية والسيادية؟
وترى مصادر، أن نجاح هذه اللجنة سيكون بمثابة “بروفة” لتوحيد المؤسسات الفلسطينية بين الضفة وغزة، وإذا استطاعت اللجنة إثبات كفاءتها، فإنها ستسحب الذرائع من الأطراف التي تدعي عدم وجود شريك فلسطيني قادر على إدارة القطاع، مما يعزز الموقف الفلسطيني في المحافل الدولية للمطالبة بإنهاء الحرب والبدء بالإعمار الشامل.
غزة بين سندان الإدارة ومطرقة الاحتلال
وقالت المصادر: إنه لا يمكن النظر إلى “لجنة إدارة غزة” كحل سحري ينهي المعاناة بين ليلة وضحاها، بل هي “طوق نجاة” في بحر من الأزمات المتلاطمة.
وأوضحت، أن الرهان اليوم ليس فقط على أسماء الشخوص المنضوين تحت لوائها، بل على مدى الإرادة الوطنية الفلسطينية في تغليب المصلحة العامة فوق الحسابات الحزبية الضيقة فغزة، التي أرهقتها سنوات الحصار وعصف بها الدمار، تحتاج اليوم إلى “إدارة صمود” لا إدارة تسيير أعمال فقط.
واختتمت المصادر، أن نجاح هذه اللجنة يمثل الخطوة الأولى نحو استعادة السيادة الوطنية على الأرض، وإعادة بناء ما دمره العدوان بروح جماعية، فإذا ما توفرت الإرادة الصادقة والدعم الإقليمي، قد تكون هذه اللجنة هي اللبنة الأولى في جدار الحماية الفلسطيني الذي يمنع تصفية القضية أو تهجير السكان. إنها معركة إدارية بامتياز، لا تقل أهمية عن الصمود الميداني.

