يعيش السودان مع مطلع عام 2026 فصلاً هو الأقسى في تاريخه الحديث؛ فبينما تتصاعد أصوات المدافع في الخرطوم والفاشر، تبدو أروقة الدبلوماسية الدولية أكثر صمتًا وبرودًا تجاه “مجلس السيادة”.
إن ما وصفته مصادر بالانتحار السياسي ليس مجرد تعبير مجازي، بل هو قراءة لواقع بات فيه الفريق أول عبد الفتاح البرهان معزولاً عن مراكز القرار العالمي، نتيجة إصراره على استراتيجية “الحسم العسكري” التي لم تتحقق.
وهم الحسم العسكري
فمنذ اندلاع شرارة الحرب في أبريل 2023، رفع الجيش السوداني شعار “الحسم العسكري” و ما يزال هذا الشعار هو المحرك الأساسي لسياسات البرهان، وفي خطاباته الأخيرة، أكد رفضه لأي وساطات دولية كان آخرها مقترحات “الرباعية الدولية” و”منبر جدة”، معتبرًا أن أي جلوس للتفاوض قبل الحسم الميداني هو “تسليم للدولة لمليشيا متمردة”، لكن هذا التمسك، الذي يراه أنصار الجيش “صمودًا وطنيًا”، يراه المجتمع الدولي “هروبًا للأمام”، فالحسم العسكري يتطلب موارد مالية هائلة، وغطاءً سياسيًا دوليًا، وكلاهما بات مفقودًا، لقد تحول الحسم من هدف تكتيكي إلى “وهم سياسي” يستهلك ما تبقى من بنية الدولة التحتية، ويضع البلاد على شفا التقسيم الفعلي.
كيف عزل البرهان السودان دوليًا؟
وأكدت مصادر، أنه يمكن تلخيص ملامح العزلة الدولية التي فرضتها سياسات البرهان في ثلاث نقاط رئيسية منها رفض البرهان المتكرر لمبادرات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، واتهام المبعوثين الدوليين بـ “التآمر”، والذي أدى إلى تجميد المساعدات التنموية وإلغاء إعفاء الديون الذي كان السودان على وشك الحصول عليه قبل انقلاب أكتوبر 2021.
وثانيًا تعليق عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي والتوتر مع “الإيغاد” جعل السودان “جزيرة معزولة” في محيطه الإقليمي، مما فتح الباب أمام أطراف دولية للبحث عن بدائل سياسية بعيدًا عن مجلس السيادة.
ومع تجديد مجلس الأمن الدولي لقرارات حظر الأسلحة والعقوبات الموجهة في 2025 و2026، أصبح التعامل المالي والتجاري مع الحكومة في بورتسودان مخاطرة كبرى للبنوك والشركات العالمية.
التداعيات الإنسانية والاقتصادية
الانتحار السياسي لا يطال النخبة الحاكمة فحسب، بل يدفع ثمنه المواطن السوداني، ففي ظل غياب الدعم الدولي، انهارت العملة المحلية، ووصلت معدلات التضخم إلى أرقام فلكية.
فالتقارير الأممية تشير إلى أن تمسك البرهان بالحرب أدى إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، مما وضع أكثر من نصف سكان السودان تحت خطر المجاعة الوشيكة في عام 2026، كما أن “وهم الحسم” لم يجلب الأمن، بل جلب أكبر أزمة نزوح داخلي شهدها العالم في القرن الحادي والعشرين.
وقالت مصادر: إن المخرج الوحيد المتبقي أمام السودان لتفادي الانهيار الشامل يبدأ بالاعتراف بأن “القوة العسكرية لا تصنع شرعية دولية”، وأن العزلة التي تضرب أطنابها حول بورتسودان لن تنكسر ببيانات التخوين أو الرهان على تحالفات هشة.
وأكدت، أن السودان يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى شجاعة سياسية توازي شجاعة الميدان؛ شجاعة تقود إلى طاولة مفاوضات جدية، تعيد السودان إلى الأسرة الدولية، وتحقن دماء أبنائه، وإلا، فإن التاريخ لن يذكر البرهان كقائد عسكري صمد، بل كمسؤول فرّط في وحدة بلاده من أجل وهم لم يتحقق.

