ذات صلة

جمع

خارطة الصراع .. كيف تحولت المناصب السيادية إلى “فخ” للانتخابات الليبية؟

تعد الأزمة الليبية واحدة من أعقد الملفات السياسية في المنطقة، حيث يبرز السؤال مع بداية عام 2026، هل ينجح الصراع على المناصب السيادية في إجهاض حلم الانتخابات الليبية مجددًا؟

جذور الصراع

تتمثل المناصب السيادية في ليبيا في سبعة مؤسسات حيوية تم الاتفاق على تقاسمها وتسمية شاغليها في تفاهمات سابقة مثل اتفاق بوزنيقة وتشمل محافظ مصرف ليبيا المركزي ورئيس ديوان المحاسبة ورئيس هيئة الرقابة الإدارية ورئيس هيئة مكافحة الفساد ورئيس وأعضاء المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والنائب العام ورئيس المحكمة العليا.

ويكمن جوهر الصراع في رغبة كل معسكر سياسي “شرقًا وغربًا” ، في السيطرة على هذه المناصب لضمان التحكم في الموارد المالية والقرارات السيادية، مما يحول هذه المؤسسات من أدوات لخدمة الدولة إلى أوراق ضغط سياسية.

مفوضية الانتخابات

مع مطلع عام 2026، انتقل الصراع إلى “قلب” العملية الانتخابية نفسها، وهي المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، حيث شهدت الأسابيع الأخيرة انقسامًا حادًا بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، حيث يسعى لاستكمال نصاب مجلس إدارة المفوضية، معتبرًا ذلك خطوة ضرورية للجاهزية الفنية وقام بخطوة أحادية بانتخاب رئيس جديد للمفوضية “صلاح الكميشي”، مستندًا إلى “اتفاق بوزنيقة” الذي يمنحه حق تسمية هذا المنصب ضمن المحاصصة الإقليمية.

هذا التضارب في الصلاحيات لا يهدد فقط حيادية المفوضية، بل يفتح الباب أمام الطعون القانونية التي قد تُبطل أي نتائج انتخابية مستقبلية، وهو ما تصفه البعثة الأممية بـ “المخاطرة الجسيمة” التي قد تعيد البلاد إلى المربع الأول.

كيف يُجهض صراع المناصب انتخابات 2026؟

وترى مصادر، أن الصراع على المناصب السيادية يعمل كـ “كابح” للعملية الديمقراطية من خلال عدة مسارات غياب الثقة والانسداد القانوني، فالانتخابات تتطلب قوانين توافقية وقبولاً بالنتائج. عندما يختلف “قطبي التشريع” (النواب والدولة) على من يدير المفوضية أو من يراقب المال العام، يصبح من المستحيل الاتفاق على شروط الترشح للرئاسة، وهي العقدة التي أفشلت انتخابات 2021.

ووفق المصادر، فالصراع على “مصرف ليبيا المركزي” و”ديوان المحاسبة” ليس إداريًا فقط، بل هو صراع على تمويل الحملات الانتخابية والقدرة على استخدام موارد الدولة لكسب الولاءات. استمرار الانقسام المالي يعني غياب ميزانية موحدة ومعتمدة لإجراء الانتخابات بشكل لوجستي آمن.

وأكدت المصادر، أن شاغلي المناصب الحالية يستفيدون من حالة “اللا حرب واللا سلم”. فإعادة تشكيل المناصب أو إجراء انتخابات يعني رحيل النخبة السياسية الحالية، وهو ما يدفع بعض الأطراف لاستخدام ملف “المناصب السيادية” كذريعة للمماطلة وتأجيل الاستحقاقات.

الموقف الدولي والبعثة الأممية

تتبنى البعثة الأممية في عام 2026 “حوارًا مهيكلاً” يهدف إلى الضغط على الأطراف الليبية لتوحيد المؤسسات، ومع ذلك، حذرت القوى الدولية من أن الاستمرار في الإجراءات الأحادية بشأن المفوضية والمناصب السيادية قد يدفع المجتمع الدولي للبحث عن “آليات بديلة” لتجاوز الأجسام التشريعية الحالية، وهو خيار محفوف بالمخاطر الأمنية.

سيناريوهات المستقبل

أمام المشهد المعقد في ليبيا، تبرز ثلاثة سيناريوهات لعام 2026 السيناريو الأول التوافق الحذر و نجاح الضغوط الدولية في دفع المجلسين لتشكيل “حكومة موحدة” ومجلس مفوضية توافقي، مما يمهد للانتخابات في أواخر 2026 أو استمرار الجمود وبقاء الصراع على حاله مع استمرار الانقسام المؤسسي، مما يؤدي بالضرورة إلى تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى، أو وصول الخلاف إلى حد تعطل الخدمات الأساسية أو الصدام المسلح حول المقرات السيادية، مما ينهي أي حديث عن مسار ديمقراطي.

إن الصراع على المناصب السيادية في ليبيا ليس مجرد نزاع على كراسي إدارية، بل هو صراع على شرعية الدولة ومواردها، وبدون وجود إرادة سياسية حقيقية تتنازل عن المكاسب الضيقة لصالح التوافق الوطني، سيبقى عام 2026 مجرد رقم آخر في رزنامة المواعيد الانتخابية المؤجلة، وسيبقى حلم الليبيين في صندوق الاقتراع رهينًا لتوافقات “الغرف المغلقة”.