بين مطرقة القصف الإسرائيلي وسندان البرد القارس، يسطر الفلسطينيون في قطاع غزة فصلاً جديدًا من فصول الصمود الأسطوري.
حيث أنه لم تعد المعركة في غزة تقتصر على مواجهة “آلة الحرب” الأكثر تطورًا في المنطقة فحسب، بل تحولت إلى صراع يومي من أجل البقاء ضد الطبيعة القاسية ونقص الاحتياجات الآدمية الأساسية.
واقع مأساوي
فمع دخول فصل الشتاء، تحولت خيام النازحين التي نصبت على عجل فوق رمال القطاع إلى “سجون اختيارية” لا تقي حرًا ولا بردًا.
إن مشهد غرق الخيام بمياه الأمطار واختلاطها بدماء الجرحى والشهداء يعكس حجم المأساة التي يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني.
تحديات البرد في ظل الحصار
ففي ظل انقطاع التيار الكهربائي ومنع دخول الوقود، يعتمد النازحون على حرق البلاستيك والكرتون للتدفئة؛ مما يسبب أمراضًا تنفسية خطيرة.
وتسبب النزوح القسري المتكرر في فقدان العائلات لممتلكاتهم، مما جعل الأطفال والنساء يواجهون الصقيع بملابس صيفية خفيفة وتدمير الشوارع وشبكات الصرف الصحي حول مراكز الإيواء إلى برك من المياه الملوثة؛ مما زاد من معاناة التنقل والعيش.
آلة الحرب الإسرائيلية: قتل لا يتوقف
بينما تنخفض درجات الحرارة، تزداد وتيرة الغارات الجوية والقصف المدفعي، لم يشفع البرد للأطفال والنساء؛ بل استغلت قوات الاحتلال الظروف الجوية لزيادة الضغط النفسي والمادي على السكان.
استهداف مراكز الإيواء
لم تعد المدارس التابعة للأونروا أو المستشفيات أماكن آمنة، فالاستهداف المباشر لهذه المراكز في ذروة الشتاء يعني تشريد النازحين مرة أخرى إلى العراء، حيث “الموت بردًا” لا يقل قسوة عن “الموت قصفًا”.
سلاح الجوع والتعطيش
يحتاج الجسم البشري إلى سعرات حرارية أكبر في الشتاء للحفاظ على درجة حرارته، لكن في غزة، العكس هو ما يحدث. تفرض إسرائيل حصارًا خانقًا يمنع وصول المساعدات الغذائية الكافية، مما جعل سوء التغذية شبحاً يطارد الجميع.
حيث يعاني السكان من صعوبة الحصول على مياه نظيفة، مما يضطرهم لاستخدام مياه ملوثة تزيد من تفشي الأمراض المعوية و نتيجة استهدافها أو نقص الوقود، أصبح الحصول على رغيف الخبز رحلة بحث محفوفة بالمخاطر والموت.
المنظومة الصحية: الصمود فوق الركام
تعمل المستشفيات المتبقية في غزة بحدها الأدنى من الإمكانيات. الأطباء يجرون العمليات الجراحية على ضوء الهواتف المحمولة وفي ممرات باردة تفتقر للتدفئة، مما يزيد من احتمالات فشل العمليات أو تلوث الجروح.
التداعيات النفسية والاجتماعية
إن الجمع بين الخوف من القصف والألم الجسدي الناجم عن البرد خلق حالة من الصدمة النفسية الجماعية، خاصة لدى الأطفال، هؤلاء الأطفال الذين فقدوا حقهم في الدفء والأمان، باتوا يربطون صوت الرعد بصوت القصف، وصوت المطر بضياع مأواهم البسيط.
صمت المجتمع الدولي
يقف العالم متفرجًا بينما تُباد عائلات بأكملها، إما تحت الأنقاض أو نتيجة التجمد والمرض. إن عجز المنظمات الدولية عن إدخال ما يكفي من الخيام والأغطية والوقود يضع النظام الدولي أمام اختبار أخلاقي سقط فيه بامتياز.
المطالب العاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وقف إطلاق نار فوري لتمكين فرق الإغاثة من التحرك وحماية المدنيين وفتح المعابر بشكل دائم لضمان دخول الوقود والمستلزمات الشتوية والطبية وإعادة الإعمار العاجل وتوفير وحدات سكنية مؤقتة (كرفانات) تقي الناس من تقلبات الجو.
الرمال التي لا تنسى الدماء
في غزة، يمتزج لون الرمال بلون الدماء، وتتعانق صرخات الوجع مع عويل الرياح الشتوية. لكن، يبقى الفلسطيني متمسكًا بأرضه، مؤمنًا أن شتاء غزة مهما طال وقسا، فلا بد من بزوغ فجر الحرية.
إن “آلة الحرب” قد تهدم البيوت وتقتل الأجساد، لكنها تعجز عن كسر إرادة شعب قرر أن يحول رماله إلى حصون، ودمائه إلى وقود للكرامة، وأن بقاء غزة صامدة في هذا الشتاء ليس مجرد معجزة عسكرية، بل هي معجزة إنسانية تدرس للعالم في الصبر والتحمل.

