مع إشراقة عام 2026، تجد سوريا نفسها أمام مفترق طرق تاريخي قد يغير وجه المنطقة لعقود قادمة، فبعد سنوات من الجمود الميداني والسياسي، بدأت تلوح في الأفق “خارطة طريق” جديدة تفرضها التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
وبينما يأمل السوريون في إنهاء حقبة المعاناة، تبرز ملفات شائكة ومعقدة تضع الفاعلين المحليين والدوليين أمام خيارين لا ثالث لهما إما تسوية كبرى تضمن السلام المستدام، أو صدام متجدد يعيد خلط الأوراق ميدانيًا.
التحولات الإقليمية
وقالت مصادر: إنه لا يمكن قراءة المشهد السوري بمعزل عن المتغيرات في دول الجوار والقوى الإقليمية، ففي عام 2026، أصبح التقارب العربي-السوري والتركي-السوري ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل ضرورة أمنية واقتصادية، علاوة على ذلك، تلعب التفاهمات “الروسية-الإيرانية-التركية” دورًا محوريًا في رسم حدود النفوذ داخل الجغرافيا السورية.
ومن هذا المنطلق، يرى المراقبون أن خارطة الطريق الحالية تعتمد بشكل أساسي على مدى قدرة هذه الأطراف على التنازل عن سقف مطالبها المرتفع، بناءً عليه، فإن أي خلل في ميزان القوى الإقليمي قد يؤدي فورًا إلى انهيار التهدئة الهشة في مناطق الشمال والشرق، مما يفتح الباب أمام جولات صراع جديدة.
ملف اللاجئين والنازحين: القنبلة الموقوتة
بالإضافة إلى ما سبق، يبرز ملف العودة الطوعية للاجئين كواحد من أكثر الملفات ضغطًا على طاولة المفاوضات في 2026، لم يعد هذا الملف إنسانيًا بحتًا، بل تحول إلى ورقة سياسية واقتصادية رابحة، ونتيجة لذلك، تشترط الدول المضيفة، وخاصة دول الجوار، توفير “بيئة آمنة” وضمانات دولية لبدء عمليات عودة واسعة النطاق.
ومن ناحية أخرى، يواجه هذا الملف تحديات لوجستية هائلة تتعلق بدمار البنية التحتية وغياب الخدمات الأساسية في الكثير من المناطق لذا، فإن نجاح خارطة الطريق يتوقف على قدرة المجتمع الدولي على تمويل مشاريع “التعافي المبكر”، وهو أمر ما يزال يصطدم بعقبة العقوبات الغربية المفروضة على دمشق.
الاقتصاد السوري: تحدي التعافي وسط الأنقاض
وفي سياق متصل، يمثل الوضع المعيشي المتدهور التحدي الأكبر الذي يواجه أي فرصة للسلام، ففي عام 2026، وصل التضخم إلى مستويات قياسية، مما جعل تأمين لقمة العيش المهمة الأصعب للمواطن السوري، وبناءً على ذلك، فإن خارطة الطريق المقترحة تركز بشكل كبير على فتح المعابر التجارية وتنشيط الحركة الاقتصادية بين مناطق السيطرة المختلفة.
بيد أن هذه الجهود تصطدم دائمًا بملف العقوبات الدولية وقانون “قيصر”، ومن هنا، نجد أن هناك حراكًا دبلوماسيًا يسعى لإيجاد “ثغرات قانونية” تسمح بتدفق الاستثمارات في قطاعات الطاقة والزراعة، كخطوة أولى لتهيئة الأرضية للحل السياسي الشامل.
الشمال السوري وشرق الفرات.. عقدة “السيادة والنفوذ”
أما بخصوص الخريطة الميدانية، فإن الوضع في إدلب ومناطق شرق الفرات يظل العقدة الأكثر تعقيداً في منشار التسوية، فبينما تصر دمشق على استعادة “السيادة الكاملة”، تتمسك القوى المحلية المدعومة دوليًا بخصوصيتها الإدارية والعسكرية، ومن ثَمَّ، فإن عام 2026 قد يشهد تفاهمات “خطوة مقابل خطوة” لدمج هذه المناطق ضمن هيكلية الدولة السورية مع الحفاظ على بعض التفاهمات الأمنية مع القوى الخارجية.
وعلى الرغم من الهدوء النسبي، إلا أن احتمالات الصدام ما تزال قائمة، خاصة في ظل التهديدات التركية المستمرة تجاه الوحدات الكردية، أو التوترات الروسية-الأمريكية في شرق سوريا، وبالتالي، فإن أي شرارة في هذه المناطق قد تحول خارطة الطريق من مسار السلام إلى مسار المواجهة المفتوحة.
مكافحة الإرهاب والمخدرات: المطالب الدولية الملحة
علاوة على ذلك، هناك ضغوط دولية مكثفة على الحكومة السورية لتقديم ضمانات حقيقية في ملفين أساسيين: مكافحة فلول التنظيمات المتطرفة، ووقف تدفق المواد المخدرة نحو دول الجوار وأوروبا، ومن الواضح أن التقدم في هذين الملفين هو “المفتاح” الذي سيفتح أبواب العواصم الغربية لدمشق مرة أخرى.
مستقبل العملية السياسية..هل من دستور جديد؟
يظل السؤال أين وصلت اللجنة الدستورية والحل السياسي وفق القرار الدولي 2254؟ في الواقع، يبدو أن هناك توجهًا لتجاوز الخلافات الشكلية والتركيز على “تفاهمات واقعية” تضمن مشاركة أوسع في السلطة وتأسيس نظام إداري أكثر لامركزية.
وترى مصادر، أن ملامح الصدام أو السلام في سوريا لعام 2026 تعتمد على توازن دقيق بين المصالح الوطنية السورية والمطامع الإقليمية والدولية، وأن نجاح أي خارطة طريق يتطلب إرادة سياسية حقيقية وتنازلات مؤلمة من الجميع، لضمان انتقال سوريا من مرحلة “إدارة الأزمة” إلى مرحلة “حل الأزمة” بشكل نهائي.

