ذات صلة

جمع

ناقلة تحت الحصار.. احتجاز أميركي يشعل مواجهة بحرية مع موسكو

في تطور يعكس تصاعد التوترات الجيوسياسية على خطوط الطاقة...

على حافة الانفجار.. تصعيد إسرائيلي يختبر صلابة الهدنة في لبنان

عاد الجنوب اللبناني ليحتل صدارة المشهد الأمني، بعدما كثفت...

من فنزويلا إلى أفريقيا.. الاقتصاد يرسم خريطة الصراع الدولي الجديد

لم تعد الحروب في العالم المعاصر تخاض بالمدافع وحدها،...

هافانا على حافة العزلة.. ما الذي تبقّى في جعبة ترامب ضد كوبا؟

تجد كوبا نفسها اليوم تحت مجهر سياسي واقتصادي غير...

رمضان على المحك.. هل تنجح تونس في تحصين الخطاب الديني؟

مع اقتراب شهر رمضان، يعود ملف الخطاب الديني في...

سجال سياسي في ليبيا.. كيف تحول الدستور من حل للأزمة إلى جزء منها؟

تعيش الدولة الليبية منذ سنوات طويلة في دوامة من الانقسام السياسي والمؤسساتي، وبينما كان الليبيون يتطلعون إلى “الدستور” كطوق نجاة يعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية، تحول هذا الملف بمرور الوقت من كونه “مفتاح الحل” إلى “عقدة الأزمة”.

إن السجال الدائر اليوم حول القاعدة الدستورية لم يعد مجرد خلاف فني قانوني، بل أصبح انعكاسًا لصراع القوة والنفوذ بين الأطراف الفاعلة في المشهد الليبي.

الجذور التاريخية للمأزق الدستوري في ليبيا

بدأت القصة بعد ثورة فبراير 2011، حين تم اعتماد “الإعلان الدستوري المؤقت” ليكون خارطة طريق للمرحلة الانتقالية، ومع ذلك، علاوة على ذلك، تعثرت جهود “الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور” التي انتُخبت في عام 2014.

ورغم إنجاز مسودة الدستور في عام 2017، إلا أنها ظلت حبيسة الأدراج نتيجة الطعون القانونية والرفض السياسي من مكونات اجتماعية وجهوية مختلفة.

نتيجة لذلك، دخلت البلاد في فراغ تشريعي أدى إلى تآكل شرعية الأجسام السياسية الموجودة، مما جعل من مسألة الدستور أداة للمناورة السياسية بدلاً من أن تكون وثيقة لجمع شتات الوطن.

الخلاف حول “القاعدة الدستورية”

وقالت مصادر: إنه في ظل تعذر الاستفتاء على مسودة الدستور الدائم بسبب الظروف الأمنية والانقسام الإداري، برز مصطلح “القاعدة الدستورية” لتكون أساسًا لإجراء الانتخابات. ولكن، بناءً على ذلك، تحول هذا المسار إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية.

تتركز نقاط الخلاف الجوهرية في محورين أساسيين شروط الترشح للرئاسة وهي النقطة الأكثر إثارة للجدل، حيث يرفض طرف السماح لعسكريين أو مزدوجي الجنسية بالترشح، بينما يرى طرف آخر أن إقصاء أي طرف هو إقصاء لمكونات شعبية واسعة ونظام الحكم وصلاحيات الرئيس وهل تكون ليبيا دولة رئاسية أم برلمانية؟ هذا التساؤل يثير مخاوف من عودة الدكتاتورية أو استمرار حالة الترهل البرلماني.

التدخلات الدولية وأثرها على المسار الدستوري

وأوضحت المصادر، أنه لا يمكن قراءة السجال الدستوري بمعزل عن الدور الدولي، فبينما تدفع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا نحو التوافق، نجد أن تضارب مصالح الدول الإقليمية والدولية ساهم في تعميق الفجوة، من ناحية أخرى، أدى “التدويل” إلى جعل القرار الدستوري الليبي رهينًا لتوافقات خارجية، مما أفقد العملية الليبية سيادتها في كثير من المحطات.

الدستور كأداة لتعطيل الانتخابات

وترى المصادر، أن بعض الأطراف السياسية تستخدم “الملف الدستوري” كذريعة للبقاء في السلطة، بالإضافة إلى ذلك، فإن الإصرار على تفاصيل دستورية معقدة قبل إجراء الانتخابات يُنظر إليه أحيانًا كطريقة ممنهجة لعرقلة أي استحقاق انتخابي قد يغير الخارطة السياسية الحالية.

وأكدت المصادر، أن غياب الدستور لا يؤثر فقط على شكل الحكم، بل يمتد أثره إلى حياة المواطن اليومية. على سبيل المثال، أدى غياب القواعد الدستورية الواضحة إلى تضارب القوانين والتشريعات الاقتصادية وضعف الرقابة على الإنفاق العام واستشراء الفساد و غياب الحماية القانونية للحريات العامة وحقوق الإنسان، وأصبح المواطن الليبي هو الضحية الأولى لهذا السجال الذي يبدو في ظاهره قانونياً وفي باطنه صراعًا مريرًا على الموارد والنفوذ.

السيناريوهات المستقبلية

بالنظر إلى المعطيات الراهنة، يمكن حصر السيناريوهات المستقبلية في ثلاثة مسارات التوافق الوطني الشامل وهو المسار المثالي الذي يتطلب تنازلات مؤلمة من كافة الأطراف لاعتماد قاعدة دستورية مؤقتة تقود للانتخابات وفرض أمر واقع عبر مبادرة دولية أو أممية تتجاوز الأجسام التشريعية الحالية، وهو ما قد يواجه برفض داخلي واسع والاستمرار في “الوضع القائم” وهو السيناريو الأكثر خطورة، حيث تستمر حالة “اللاحرب واللاسلم” مع بقاء الدستور معلقًا إلى أجل غير مسمى.

و يبقى الدستور هو العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. ولكي يتحول من جزء من الأزمة إلى حل لها، يجب أن تتوفر الإرادة السياسية الصادقة التي تعلي مصلحة ليبيا فوق المصالح الحزبية والجهوية، وأن السجال السياسي الدائر اليوم يجب أن ينتهي إلى وثيقة تضمن حقوق الجميع وتؤسس لدولة القانون والمؤسسات، فبدون دستور متوافق عليه، ستظل ليبيا تدور في حلقة مفرغة من الأزمات.