في فجر الثالث من يناير 2026، استيقظ العالم على أنباء قلبت موازين القوى في نصف الكرة الغربي، عملية عسكرية أمريكية خاطفة أدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
بينما تروج واشنطن لكون العملية “جراحية” تهدف لمكافحة الإرهاب والمخدرات، حيث ترى مصادر أن “المنطق الذرائعي” الذي استخدمته إدارة بوش في 2003 بشأن أسلحة الدمار الشامل، يتم استنساخه اليوم تحت غطاء “مكافحة الفنتانيل” وحماية أمن الطاقة.
ذرائع الحرب: من “الكيماوي” إلى “الفنتانيل”
ويكمن التشابه الأول بين سيناريو العراق 2003 وفنزويلا 2026 في صناعة الذريعة، وفي الحالة العراقية، كان التركيز على أسلحة الدمار الشامل التي ثبت لاحقاً عدم وجودها، أما في الحالة الفنزويلية، فقد وظّفت إدارة الرئيس دونالد ترامب أزمة “الفنتانيل” والمخدرات العابرة للحدود كـ “سلاح دمار شامل” حديث يهدد الداخل الأمريكي.
ففي العراق تم الربط بين نظام صدام حسين والقاعدة (دون أدلة صلبة) وفي فنزويلا تم تصنيف نظام مادورو كـ “كارتل مخدرات” وإرهاب عابر للحدود، هذا التصنيف القانوني والسياسي سمح للبيت الأبيض بتجاوز المسارات الدبلوماسية التقليدية، واللجوء إلى القوة الصلبة تحت بند “الدفاع عن النفس” وحماية الأمن القومي.
وصرح الرئيس ترامب بوضوح عقب العملية، أن الولايات المتحدة “ستدير شؤون فنزويلا مؤقتاً” لضمان تدفق النفط، وهو تصريح يعيد للأذهان “سلطة الائتلاف المؤقتة” التي أدارت العراق، مما يعزز فرضية الاستنساخ التاريخي.
“عقيدة هيغسيث”: العكس تمامًا أم النسخة المحدثة؟
في محاولة لتهدئة المخاوف الداخلية، خرج وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث ليصرح بأن التدخل في فنزويلا هو “العكس تماماً” لما حدث في العراق واستندت حجته إلى نقطتين:
كما أن واشنطن تزعم أنها لن تنفق “دماءً أمريكية” في حروب استنزاف طويلة، بل ستعتمد على عمليات خاطفة وتسليم السلطة لحلفاء محليين وعلى عكس العراق الذي استنزف تريليونات الدولارات، تخطط واشنطن لتمويل العملية من عوائد النفط الفنزويلي مباشرة، وهو ما وصفه هيغسيث بـ “قلب السيناريو” لصالح دافع الضرائب الأمريكي.
ردود الفعل الدولية: عالم منقسم
أثار التحرك الأمريكي موجة من الغضب والاحتفاء المتناقض حيث أدانت روسيا والصين والبرازيل وجنوب أفريقيا العملية، واصفين إياها بـ “الإرهاب الدولي” وخرق سيادة الدول. حذرت الأمم المتحدة من “سابقة خطيرة” تشرعن الغزو الأحادي ورحبت دول مثل الأرجنتين (بقيادة ميلي) والإكوادور بالخطوة، معتبرين أنها نهاية لـ “الديكتاتورية الاشتراكية” التي زعزعت استقرار المنطقة عبر موجات اللجوء.
هل تنجح واشنطن فيما فشلت فيه بالعراق؟
من الناحية التكتيكية، يبدو أن القبض على مادورو كان أسرع وأقل كلفة من مطاردة صدام حسين. لكن بناء الدولة يظل هو العقبة الكأداء. فنزويلا تعاني من انهيار اقتصادي وتضخم مفرط وتمزق اجتماعي؛ وإذا فشلت الإدارة الأمريكية في تحقيق انتقال سلس للسلطة إلى المعارضة بقيادة إدموندو غونزاليس، فإن السيناريو العراقي من فوضى واقتتال داخلي سيكون هو المآل الحتمي.
بينما تحاول واشنطن تسويق عملية فنزويلا كنموذج “نظيف” و”مربح” لتغيير الأنظمة، تظل الجغرافيا والتاريخ يصرخان بالتحذير، وأن “سيناريو العراق” ليس مجرد غزو عسكري، بل هو ما يتلو الغزو من فراغ أمني وفشل إداري، فهل ستكون كراكاس “بغداد جديدة” أم أن ترامب سينجح فعلاً في “قلب السيناريو”؟ الأيام القادمة في 2026 هي من سيجيب.

