في خطوة أثارت جدلاً واسعًا في الأوساط السياسية والاقتصادية، صادق مجلس النواب الليبي على قرار يقضي برفع رواتب منتسبي المؤسسة العسكرية.
يأتي هذا القرار في توقيت تعاني فيه البلاد من انقسام حاد في إدارة الموارد المالية وضغوط تضخمية خانقة، فهل قررت السلطة التشريعية في ليبيا التضحية بالاستقرار المالي الهش في سبيل شراء ولاء المؤسسة الأمنية وضمان استقرار الجبهات؟
سياق القرار
وقالت مصادر: إن مصادقة البرلمان جاءت على رفع رواتب العسكريين في ظل أزمة سيولة نقدية حادة وتراجع في القوة الشرائية للدينار الليبي.
ويرى مراقبون، أن القرار لا يمكن قراءته بمعزل عن الصراع المحتدم على السلطة والشرعية بين الشرق والغرب،فالجيش في ليبيا ليس مجرد قوة نظامية، بل هو الركيزة الأساسية التي تستند إليها القوى السياسية لفرض أجنداتها على الأرض.
الرسائل السياسية
وأكدت المصادر، أن هذه الخطوة تحمل جملة من الرسائل السياسية الموجهة للداخل والخارج منها تحصين الجبهة الداخلية حيث يسعى البرلمان من خلال هذه الزيادة إلى تخفيف حالة الاحتقان المعيشي داخل صفوف المقاتلين، ومنع أي محاولات للاختراق أو التمرد الناتج عن سوء الأوضاع المادية و إثبات السيادة والشرعية عبر إصدار قوانين ذات أثر مالي كبير، يحاول مجلس النواب تأكيد سلطته التشريعية المطلقة على كافة مؤسسات الدولة، بما فيها تلك التي تتطلب تدفقات مالية ضخمة من المصرف المركزي.
وضمن الرسائل المنافسة بين الحكومات حيث تمثل هذه الزيادة ضغطًا على الحكومة المنافسة في طرابلس، حيث تضعها في مأزق أمام موظفي القطاع المدني والعسكري التابعين لها، مما قد يشعل فتيل مطالب مماثلة في الغرب الليبي.
المعضلة الاقتصادية
كما تطرح زيادة رواتب العسكريين تحديًا اقتصاديًا جسيمًا أمام المصرف المركزي الليبي، فليبيا تعتمد بنسبة تزيد عن 95% على الإيرادات النفطية، وأي زيادة في بند الرواتب تعني بالضرورة زيادة في الإنفاق الاستهلاكي على حساب الإنفاق التنموي المفقود أصلاً.
ويؤكد خبراء الاقتصاد، أن ضخ كميات كبيرة من الأموال في السوق عبر الرواتب، دون وجود إنتاج حقيقي أو استقرار في تدفق النقد الأجنبي، سيؤدي حتماً إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات مع محدودية العرض ستؤدي إلى قفزات سعرية تلتهم الزيادة في الرواتب نفسهاسيتجه العسكريون وعائلاتهم لاستهلاك سلع مستوردة، مما يزيد الطلب على الدولار ويؤدي إلى تراجع قيمة الدينار في السوق الموازية وقد تضطر الدولة للاقتراض من المصرف المركزي أو السحب من الاحتياطيات النقدية، مما يهدد الاستقرار المالي طويل الأمد للبلاد.
غضب القطاع المدني
وبمجرد صدور قرار رفع رواتب الجيش، بدأت أصوات المعلمين، والأطباء، والموظفين الإداريين تتعالى للمطالبة بزيادات مماثلة، وأن سياسة “التمييز المالي” للقطاع العسكري قد تخلق حالة من الشرخ الاجتماعي والطبقي، حيث يشعر الموظف المدني أنه مواطن من الدرجة الثانية، مما قد يؤدي إلى إضرابات واحتجاجات تشل مؤسسات الدولة الخدمية.
موقف المصرف المركزي والمؤسسات الدولية
تراقب المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، بقلق تزايد الإنفاق العام في ليبيا. فالنصيحة الدائمة لهذه المؤسسات هي “ترشيد الإنفاق” وإصلاح الهيكل الإداري للدولة.
إن قرارات الرواتب “المسيسة” تضع ليبيا في تصادم مع متطلبات الإصلاح الاقتصادي الضرورية لجذب الاستثمارات الأجنبية وإعادة الإعمار.
من جهة أخرى، يجد المصرف المركزي نفسه في مواجهة مباشرة مع البرلمان؛ فتنفيذ القرار يتطلب سيولة وغطاءً ماليًا قد لا يتوفر في ظل إغلاقات الحقول النفطية المتكررة أو النزاعات على إدارة المصرف نفسه.
السيناريوهات المتوقعة
ثمة ثلاثة سيناريوهات محتملة لتبعات هذا القرار وفق ما طرحته المصادر منها أن ينجح المصرف المركزي في توفير التغطية المالية مع ضبط سعر الصرف، مما يوفر استقرارًا أمنيًا مؤقتًا دون انهيار مالي سريع أو أن تؤدي الزيادة إلى قفزة تضخمية كبرى واحتجاجات مدنية واسعة، مما يدخل البلاد في دوامة جديدة من الاضطرابات الاجتماعية أو سيناريو الصدام المؤسسي وهو أن يرفض المصرف المركزي صرف الزيادات، مما يؤدي إلى قطيعة تامة بين السلطة التشريعية والمالية، وقد يدفع القوات العسكرية للضغط المباشر على المؤسسات المالية.
إن قرار برلمان ليبيا برفع رواتب العسكريين هو “هروب إلى الأمام” يحاول معالجة أعراض الأزمة “الأمن” عبر تفاقم أسبابها “الاختلال المالي”.
وبينما يرى فيه العسكريون حقًا مشروعًا في ظل غلاء المعيشة، يراه الاقتصاديون قنبلة موقوتة في جسد الاقتصاد الليبي الهش، وفي نهاية المطاف، يبقى المواطن الليبي البسيط هو من يدفع فاتورة هذه المقايضة بين الأمن والاستقرار المالي، في وطن ما يزال يبحث عن مخرج من نفق الانقسام المظلم.

