اعتمد تنظيم الإخوان على مدى عقود على شبكة معقدة من العلاقات والتمويل والأذرع الإعلامية لتثبيت نفوذه داخل المنطقة وخارجها، مقدمًا نفسه كحركة سياسية ذات خطاب “إصلاحي”، لكن خلف هذا الوجه الناعم، وثّقت تقارير دولية واسعة ما تصفه بجرائم التنظيم، سواء عبر التحريض، أو العنف، أو التغلغل في مؤسسات الدول، أو استغلال الجمعيات الدينية والإنسانية لأهداف سياسية.
ومع التغيرات الدولية، أصبحت هذه النشاطات مادة تحقيق واسعة في أوروبا وأمريكا والمنطقة العربية؛ ما أدى إلى تآكل نفوذ الجماعة بشكل لم يسبق له مثيل.
جرائم وأزمات متراكمة
فقد أشارت تقارير حكومية غربية وعربية إلى ارتباط مجموعات منتمية أو قريبة من الإخوان بأنشطة غير قانونية، من بينها التحريض الإعلامي على العنف وإدارة شبكة تمويل غامضة والتغلغل داخل مؤسسات تعليمية ومساجد بهدف التأثير السياسي ودعم مجموعات متطرفة فكرياً في الشرق الأوسط
ومع تزايد التحقيقات، بدأت دول أوروبية في كشف ما وصفته بالبنية التنظيمية الموازية التي يديرها الإخوان داخل الجاليات المسلمة، من خلال مدارس وجمعيات وشبكات ضغط سياسي تعمل خارج الرقابة الحكومية، هذه الملفات، التي فتحت في بريطانيا وألمانيا وفرنسا والنمسا وغيرها، كانت الشرارة التي بدأت معها مرحلة الانحدار الحقيقي.
ضربة موجعة للتنظيم
وقالت مصادر: إن أحد أخطر الملفات التي كشفتها التحقيقات هو التمويل؛ إذ اعتمدت الجماعة لسنوات على تمويل غير شفاف، عبر شبكات جمعيات ومنظمات ومراكز دينية، لكن مع بدء حكومات غربية مراجعات مالية دقيقة، تم كشف تحويلات ضخمة لا تتوافق مع نشاط المؤسسات المُعلنة.
وأدى ذلك إلى إغلاق جمعيات مرتبطة بالإخوان تجميد حسابات بنكية و طرد عناصر من مؤسسات دينية و انهيار القدرة المالية للمكاتب الخارجية
هذا الانهيار المالي كان نقطة تحول، لأنه أوقف قدرة التنظيم على دعم أذرعه الإعلامية والحقوقية، التي كانت تعتمد بالأساس على تدفق الأموال المستمر.
جرائم داخلية تهدد بقاء التنظيم
وأكدت المصادر، أنه لم تكن الضغوط الخارجية وحدها سببًا في سقوط النفوذ، فالانقسام الداخلي كان بمثابة “جريمة ذاتية” ارتكبها التنظيم ضد نفسه، فمنذ عام 2020، تفجّر الخلاف بين جبهات قيادية متصارعة على الشرعية والموارد. تبادل الاتهامات، فصل قيادات، تشكيل مكاتب موازية، وانهيار التسلسل التنظيمي التاريخي.
وأدى ذلك إلى انشقاقات بالجملة و فقدان الثقة داخل الصف و تراجع قدرة القيادة على اتخاذ قرار موحّد ووقف الدعم للشباب والكوادر وانهيار التنسيق الخارجي، مؤكدة أن هذا الانقسام ضرب ما تبقى من صورة التنظيم، الذي كان يُقدّم نفسه كجماعة “منضبطة وقوية التنظيم”.
سقوط الحلفاء ونهاية النفوذ السياسي
وأوضحت المصادر، أن الضربة الأهم للجماعة كانت في المنطقة العربية، إذ شهد العقد الأخير ما يمكن وصفه بـ سقوط مشاريع الإخوان السياسي في عدة دول، هذه الانهيارات ترافقت مع ملاحقات قانونية واتهامات بجرائم فساد وإساءة استخدام السلطة، مما قضى على أي محاولة لإعادة بناء نفوذ سياسي منظم.
فشل خطاب المظلومية
وأكدت، أن طوال تاريخهم، استخدم الإخوان خطاب الاضطهاد لترويج قضيتهم أمام الخارج، لكن خلال السنوات الأخيرة، ومع تراكم ملفات العنف والتحريض والتمويل المشبوه، لم يعد هذا الخطاب مقنعاً، بل على العكس، أصبح ينظر إليه كأداة للهروب من مسؤولية الجرائم المرتبطة بالتنظيم سواء في الشارع أو داخل المؤسسات.
وهكذا، تحوّلت الساحة العالمية من مساحة نفوذ إلى كابوس يطارد التنظيم وقياداته، مع تصاعد الحديث عن مستقبل قد يشهد تفككًا كاملاً للجماعة، أو تحوّلها إلى مجموعات صغيرة غير مؤثرة، بلا قيادة واضحة، وبلا مشروع سياسي قادر على البقاء.

