تشهد القارة الأوروبية مرحلة جديدة في تعاملها مع جماعة الإخوان الارهابية، إذ تتجه حكومات التكتل إلى تشديد القيود القانونية والمالية على الشبكات المرتبطة بها، في خطوة تعكس إدراكًا متناميًا لمخاطر تغلغل الجماعة داخل المجتمعات الأوروبية عبر مؤسسات دعوية وتعليمية وخيرية.
التحركات المتصاعدة تشير إلى أن المشهد بالنسبة للإخوان في أوروبا بات يتحول جذريًا، وأن التنظيم الذي اعتمد لعقود على البيئة الأوروبية كملاذ آمن يواجه اليوم أوسع موجة تضييق منذ دخوله القارة.
تحول جذري في النظرة الأوروبية
ولم تعد الإخوان تعامل في أوروبا كتنظيم دعوي عابر للحدود، بل باتت شبكة متعددة المستويات تخضع لمراجعات أمنية دقيقة.
بعد سنوات من التحركات الفردية في دول متفرقة، يظهر اليوم توجه أوروبي أوسع لتكثيف الرقابة على الجمعيات والمنظمات والمراكز المرتبطة بالجماعة، خصوصًا في الملفات المتعلقة بالتمويل، والعلاقة بالجاليات المسلمة، وتعزيز النفوذ داخل المؤسسات الثقافية والتعليمية.
وتشير التطورات الراهنة إلى انتقال التعامل من مرحلة المتابعة إلى مرحلة المواجهة، بعد تراكم تقارير رسمية أوروبية حول محاولات الإخوان بناء دوائر ضغط داخل بعض الدول، واستغلال المجتمع المدني للحصول على تمويل عام أو تبرعات تستخدم خارج الأطر القانونية.
ألمانيا.. فصل جديد في المواجهة
وقد برزت ألمانيا خلال الأشهر الأخيرة كأكبر ساحات الضغط على الإخوان، مع تصعيد متزامن على المستويات البرلمانية والأمنية والقضائية.
التشديد الرقابي على المؤسسات المرتبطة بالجماعة ترافق مع حملات تدقيق في مصادر الأموال، وإجراءات حظر شملت منظمات تعد واجهة دعائية لها.
وتكشف هذه التطورات رغبة ألمانية واضحة في قطع الطريق أمام تمدد الإخوان داخل الجاليات المسلمة، وتقليص حضورها داخل المراكز التعليمية والثقافية.
النمسا.. تشديد غير مسبوق
وفي النمسا، يبرز تحول كبير منذ الكشف عن وجود اختراق داخل جهاز الأمن الداخلي، إذ مثّل ذلك ناقوس خطر دفع البلاد إلى توسيع التحقيقات الخاصة بالإخوان وإعادة تقييم وضع مؤسسات يُشتبه بعلاقتها بالجماعة.
وزادت الدعوات إلى سن تشريع شامل يضع الإسلام السياسي تحت طائلة القانون، ما يعكس توجهًا رسميًا نحو تجفيف البيئة التي سمحت للإخوان بالعمل داخل البلاد لسنوات طويلة.
فرنسا وسويسرا.. مراجعة عميقة للهياكل الدينية
تتحرك فرنسا في مسار موازي من خلال تفكيك المؤسسات التي يعتقد أنها مرتبطة بالتنظيم، مع إعادة تنظيم تدريب الأئمة ووضع معايير أكثر صرامة لأنشطة الجمعيات الدينية.
المسار حمل أثره إلى سويسرا، التي بدأت مراجعة واسعة لوجود الإخوان ضمن المراكز التعليمية والدينية وشبكات التأثير الاجتماعي، وسط دعم سياسي متزايد لمساءلة هذه الأنشطة.
السويد وبلجيكا.. الرقابة المالية تكشف شبكة أوسع
وفي شمال أوروبا، تتصدر القضايا المالية المشهد، إذ كشفت السويد عن تحقيقات واسعة في عمليات احتيال مرتبطة بمؤسسات تعليمية مرتبطة بالإخوان حصلت على تمويلات حكومية ضخمة.
بينما بلجيكا فقد أعادت فتح ملف الجماعة بعد تحذيرات أمنية من نشاط جمعيات يُشتبه في استخدامها كمنصات نفوذ وتجنيد.
ملامح مرحلة جديدة
تعكس التحركات الأوروبية المتزامنة إدراكًا متصاعدًا لضرورة التعامل مع الإخوان كمنظومة عابرة للدول تستثمر في الثغرات القانونية والمالية لتعزيز نفوذها.
ومع اتساع دائرة الرقابة والتتبع، يبدو أن التنظيم يواجه مرحلة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى في أوروبا، وسط بيئة سياسية وأمنية لم تعد تتسامح مع شبكاته وتمويله وأنشطته الممتدة.

