لم يكد العهد اللبناني الجديد يبدأ خطواته الأولى، حتى دخل في مواجهة مباشرة مع حزب الله، الذي بدا وكأنه يسعى إلى اختبار حدود السلطة الجديدة، مستغلًا حادثة منع الطائرة الإيرانية من الهبوط في مطار بيروت كذريعة لتصعيد أوسع.
منع الطائرة الإيرانية.. قرار سيادي أم بداية لكسر الهيمنة؟
جاء قرار منع الطائرة الإيرانية بناءً على تحذيرات من أن إسرائيل قد تستهدف مطار بيروت إذا سمح للطائرة بالهبوط.
هذا القرار شكّل صدمة لحزب الله، الذي اعتبره رضوخًا للإملاءات الخارجية وتصعيدًا غير مسبوق تجاهه.
رد فعل الحزب كان سريعًا، فحرك أنصاره لقطع الطرقات في محيط المطار، ما أدى إلى تدخل الجيش اللبناني، وأسفر ذلك عن وقوع إصابات في صفوف العسكريين، مما زاد المشهد الداخلي تعقيدًا.
حزب الله والتصعيد
وما حدث يتجاوز كونه مجرد احتجاج على منع طائرة، بل هو رسالة سياسية واضحة مفادها أن حزب الله لن يقبل بأي مس بنفوذه، وتحركات الحزب ستكون الضغط على الحكومة الجديدة أثناء صياغة البيان الوزاري لضمان استمرار الخطاب الداعم للمقاومة وسلاح الحزب.
كذلك تشمل تهدئة القاعدة الشعبية بعد شعورها بأن الحزب بات في موقع دفاعي إثر المتغيرات الإقليمية الأخيرة.
وأخيرًا تعزيز موقعه الاستراتيجي في ظل الحديث عن انسحاب إسرائيلي محتمل من جنوب لبنان، ما يمنحه مبررًا إضافيًا لتعزيز وجوده العسكري والسياسي.
ولطالما كان حزب الله جزءًا من محور إقليمي قوي تدعمه إيران، إلا أن المعادلة تبدو مختلفة اليوم. فإيران، التي تواجه تحديات اقتصادية وسياسية متزايدة، لم تعد قادرة على دعم الحزب بنفس الزخم السابق، فيما يجد الحزب نفسه أمام واقع داخلي أكثر تعقيدًا مع عهد جديد يبدو أكثر حزمًا في التعامل مع نفوذه.
والأن الحزب بات محاصرًا بين الضغوط الخارجية والتحولات الداخلية، ما يجعله أكثر اندفاعًا نحو التصعيد، لكن خياراته باتت محدودة مقارنة بالسنوات الماضية.
بين التصعيد والاحتواء.. كيف سيتعامل العهد الجديد؟
اعتمد حزب الله تاريخيًا على الشارع كأداة ضغط أساسية، لكن هذه الاستراتيجية تبدو أقل فاعلية اليوم، في ظل التوجه الحكومي الواضح لعدم الرضوخ لمحاولات فرض الأمر الواقع.
وهناك موقف رسمي يُؤكد على أن الدولة لن تسمح بفرض الهيمنة بالقوة، ولن تقبل بأي اعتداء على المؤسسات الرسمية.
إلى جانب التحدي الأمني، هناك مخاوف اقتصادية حقيقية من أن يؤدي التصعيد إلى زعزعة الاستقرار، لا سيما مع اقتراب موسم الصيف، الذي يشكل فرصة نادرة لإنعاش الاقتصاد اللبناني المنهك.
هامش المناورة أمام الحزب بات أكثر ضيقًا من أي وقت مضى، والأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ملامح العلاقة بين السلطة الجديدة وحزب الله، وما إذا كان لبنان مقبلًا على مرحلة مواجهة مفتوحة أم على تفاهمات جديدة تُعيد رسم التوازنات الداخلية.
ويقول الباحث السياسي اللبناني طوني حبيب، إن حزب الله يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف تمامًا عما كان عليه قبل سنوات، حيث أصبح هامش مناورة الحزب أضيق بسبب تغير التحالفات الإقليمية وتراجع الدعم الإيراني، كما أن الحكومة الجديدة تبدو مصممة على عدم الرضوخ لضغوط الحزب، ما يجعل الصدام بين الطرفين أكثر احتمالًا.
ويُضيف حبيب – في تصريحات خاصة لـ”العرب مباشر” – أن الحزب قد يضطر إلى إعادة النظر في أساليبه السياسية والأمنية، إذ لم تعد سياسة فرض الأمر الواقع تضمن له النتائج المرجوة، خاصة في ظل الضغوط الدولية والمحلية المتزايدة.