يواجه العراق في مارس تحديًا أمنيًا وسياديًا هو الأخطر منذ سنوات، حيث يجد أمن العاصمة بغداد نفسه “في مهب الريح” وسط استقطاب إقليمي حاد وتصعيد عسكري غير مسبوق بين الولايات المتحدة وإيران.
وبالرغم من المحاولات المستمرة للحكومة العراقية برئاسة محمد شياع السوداني لتبني سياسة “الحياد القسري” والنأي بالبلاد عن صراعات المحاور، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى انفلات “فتيل الصراعات” بفعل تحركات الفصائل المسلحة التي تصر على زج الأراضي العراقية في الصراع، فخلال الأسبوعين الماضيين.
رصدت التقارير الأمنية انطلاق طائرات مسيرة وصواريخ من مناطق غرب وشمال بغداد باتجاه قواعد عسكرية ومنشآت إقليمية، مما يضع السيادة العراقية في حرج بالغ أمام المجتمع الدولي، ويحول البلاد مجددًا إلى ساحة لتصفية الحسابات والرسائل النارية المتبادلة، وهو ما يطرح تساؤلاً ملحًا حول قدرة الحكومة المركزية على فرض هيبتها ولجم القوى التي تتحرك خارج إطار الدولة.
وتشير المعطيات الميدانية في ربيع 2026 إلى أن “المنطقة الخضراء” لم تعد محصنة ضد التوترات، حيث تشهد بغداد استنفارًا أمنيًا دائمًا وقطعًا متكررًا للطرق الحيوية تحسبًا لردود فعل دولية على هجمات الفصائل.
وتكمن المعضلة الكبرى في أن الحكومة العراقية تسعى جاهدة لحماية مشاريع التنمية الكبرى والربط السككي والاستثمارات النفطية، إلا أن هذه الطموحات تصطدم بواقع أمني هش تفرضه الجماعات المسلحة التي تتلقى أوامرها من خارج الحدود.
وترى مصادر، أن العراق بات يعيش حالة من “انفصام السيادة”؛ فبينما تتحدث الدبلوماسية الرسمية عن الوساطة والتهدئة، تتحدث الصواريخ المنطلقة من أراضيها عن الانحياز الكامل لمحور طهران، هذا التناقض الصارخ يجعل أمن بغداد رهينة لمزاج التصعيد الإقليمي، ويضعف موقف الحكومة في المطالبة بإنهاء مهام التحالف الدولي أو حماية أجوائها من الاختراقات الجوية المتكررة.
تداعيات “فتيل الصراعات” على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي
إن انعكاسات هذا الانفلات الأمني لا تتوقف عند الحدود العسكرية، بل تضرب في عمق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للعراقيين، فمع قفزة أسعار النفط العالمية وتجاوزها حاجز 112 دولارًا للبرميل نتيجة هجمات الطاقة في الخليج، كان من المفترض أن يجني العراق ثمار هذه الزيادة في موازنته لعام 2026، إلا أن “علاوة المخاطر” المرتبطة بالوضع الأمني في بغداد والمحافظات الجنوبية أدت إلى تردد الشركات العالمية في استكمال مشاريع الطاقة الكبرى، وتخشى الأوساط الشعبية في بغداد من تكرار سيناريوهات الحرب الأهلية أو القصف المتبادل الذي قد يستهدف البنى التحتية، خاصة مع تزايد وتيرة “حرب المسيرات” في سماء العاصمة.
وتؤكد التقارير، أن الفقر والبطالة بدآ يسجلان معدلات مقلقة في ضواحي بغداد نتيجة توقف العديد من الاستثمارات التي كانت تعول عليها الحكومة لامتصاص الغضب الشعبي وتحقيق الاستقرار المجتمعي.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو الحكومة العراقية أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما الصدام المباشر مع الفصائل المسلحة لفرض هيبة الدولة ومنع استخدام الأراضي العراقية كمنصة انطلاق للهجمات، وهو ما قد يفجر صراعًا داخليًا داميًا، أو الاستمرار في سياسة “الاحتواء” التي أثبتت فشلها في كبح جماح فتيل الصراعات المنفلت، مما يعرض البلاد لعقوبات دولية أو ضربات انتقامية مباشرة.
وتظل الأيام القادمة من عام 2026 حاسمة في تحديد هوية العراق المستقبلية؛ فهل ينجح “العقل السياسي” في بغداد في استعادة زمام المبادرة وتحويل العراق إلى جسر للتواصل بدلاً من كونه ساحة للدمار، أم تنجح القوى الإقليمية في إحراق ما تبقى من آمال الاستقرار العراقي عبر إبقاء “فتيل الصراعات” مشتعلاً إلى أجل غير مسمى؟

