دخلت الحرب الروسية الأوكرانية عامها الرابع تاركة وراءها واحدة من أثقل الكلف البشرية والعسكرية في تاريخ الصراعات الحديثة، وسط أرقام صادمة تعكس حجم الاستنزاف الذي طال الطرفين، وجعل من ساحة القتال نموذجًا لحرب طويلة الأمد بلا أفق حاسم.
ومع استمرار المواجهات، باتت الخسائر البشرية تقترب من مليوني ضحية بين قتيل وجريح ومفقود، في مشهد يعيد إلى الأذهان حروب القرن العشرين الكبرى.
نزيف بشري غير مسبوق منذ الحرب العالمية
تكشف التقديرات المتداولة أن القوات الروسية تكبدت مئات الآلاف من القتلى، إلى جانب أكثر من مليون ضحية إجمالية تشمل الجرحى والمفقودين، هذه الأرقام تضع موسكو أمام واقع عسكري غير مسبوق لقوة عظمى منذ الحرب العالمية الثانية، في وقت يتقدم فيه الجيش الروسي ميدانيًا بوتيرة بطيئة، مقابل خسائر مرتفعة تعكس طبيعة القتال العنيف وحرب الاستنزاف الممتدة.
في المقابل، لم تكن أوكرانيا بمنأى عن هذا النزيف، إذ تشير التقديرات إلى سقوط ما بين نصف مليون وستمئة ألف ضحية في صفوفها، بينهم عشرات الآلاف من القتلى، ما يمثل عبئًا هائلًا على جيش أصغر حجمًا وموارد بشرية أكثر محدودية، ومع استمرار الحرب، تتحول هذه الخسائر إلى عامل ضاغط على القدرة الأوكرانية في الحفاظ على زخمها العسكري.
المدنيون في قلب المأساة
ولم تقتصر الخسائر على الجبهات العسكرية، بل طالت المدنيين بشكل متزايد، خاصة خلال العام الأخير الذي سجل كالأكثر دموية منذ اندلاع الحرب، فقد قتل آلاف المدنيين وأصيب عشرات الآلاف، نتيجة القصف المتبادل واستهداف البنى التحتية، ما عمق الأزمة الإنسانية ووسع فجوة المعاناة داخل المدن والقرى الأوكرانية.
ومع مرور الوقت، أصبحت الحرب عبئًا يوميًا على المجتمع المدني، يتجلى في النزوح والدمار وانهيار الخدمات الأساسية.
اختلال ديموغرافي ومعركة أعداد
ويميل ميزان القوى العددي لصالح روسيا، التي تتفوق على أوكرانيا في عدد الجنود بنسبة تقارب ثلاثة إلى واحد، فضلًا عن امتلاكها قاعدة سكانية أوسع تسمح بتعويض الخسائر البشرية.
في المقابل، تواجه كييف تحديًا مزدوجًا يتمثل في خسارة نسبة أكبر من جيشها الأصغر، مع صعوبة تعويض هذه الفجوة على المدى الطويل، ما يجعل العامل الديموغرافي عنصرًا حاسمًا في مسار الصراع.
التعبئة والرهان على الموارد
وقد حافظت موسكو على حجم قواتها رغم الخسائر عبر سياسات تعبئة غير مسبوقة، شملت التجنيد الإلزامي، واستقطاب السجناء، وتقديم حوافز مالية واسعة للمجندين الجدد.
كما شهدت الحرب مشاركة قوات أجنبية دعمت الجهد العسكري الروسي، في مؤشر على اتساع رقعة الصراع وتعقيداته.
وامتد ثقل الحرب ليطال الاقتصاد الروسي، الذي بات يعمل تحت ضغط متزايد بفعل الإنفاق العسكري والعقوبات وتباطؤ النمو.
ومع تراجع وتيرة التصنيع وغياب القطاعات التكنولوجية القادرة على المنافسة عالميًا، تواجه موسكو تحديًا استراتيجيًا يتمثل في موازنة كلفة الحرب مع استقرار الداخل.

