يعيش الشارع اللبناني اليوم على وقع كوابيس أمنية متجددة وهاجس حرب شاملة يهدد باستعادة مشاهد الدمار والانهيار الشامل، في ظل استمرار هيمنة السلاح المنفلت وفرض الميليشيات الموازية سطوتها على مقدرات الدولة ومؤسساتها السيادية والأمنية.
وفي تطور دراماتيكي زاد من شحن الأجواء الملبدة أصلًا بالترقب والحذر، فجّرت قضية ضبط شحنة متفجرات ضخمة في منطقة ضهر البيدر أزمة سياسية وأمنية عاصفة داخل أروقة الحكومة والبرلمان؛ إذ كشفت الشحنة المهربة عن إصرار «حزب الله» على مواصلة استخدام الأراضي اللبنانية ممرًّا لوجستيًّا لنقل العتاد العسكري والمواد الانفجارية الخطرة بعيدًا عن رقابة الأجهزة الرسمية والشرعية، بالتوازي مع ممارسة ضغوط سياسية حادة لمنع إحالة القضية إلى المجلس العدلي.
وتضع هذه التطورات الخطيرة الساحة اللبنانية في قلب عاصفة إقليمية مواتية، حيث أكد نائب رئيس الحكومة طارق متري وجود مخاوف جديّة وحقيقية من اندلاع مواجهة واسعة يكون لبنان ساحتها الرئيسية، وسط استمرار الارتهان لنتائج الوساطات المعقدة بين واشنطن وطهران، مما يكرّس ارتهان القرار الوطني لسلاح الميليشيات وحساباتها العابرة للحدود.
إن خطورة هذا المشهد الميداني تتجلى في تحوّل السلاح غير الشرعي من أداة إقليمية إلى عائق مباشر يحول دون تطبيق العدالة وتأمين الحماية الأساسية للمواطنين، حيث أدى الإصرار الميليشياوي على حماية الشبكات المتورطة في قضية ضهر البيدر إلى تعطيل عمل المؤسسات وتأجير السيادة الوطنية لخدمة أجندات التصعيد وزعزعة الاستقرار الداخلي والإقليمي.
معركة ضهر البيدر القضائية: انسحاب وزراء القوات ورفض إحالة الشحنة إلى المجلس العدلي
وتجلّت عواقب الهيمنة الميليشياوية الميدانية والسياسية خلال جلسة مجلس الوزراء الحامية، بعدما فشلت الاتصالات المكثفة التي سبقت الانعقاد في امتصاص التوتر المحيط بملف شحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر.
ورغم تمسّك وزير العدل عادل نصار بطلب إحالة هذه الجريمة الأمنية الخطيرة إلى المجلس العدلي، بالنظر إلى خطورتها على الأمن القومي، قوبل الطلب برفض قاطع وصارم من قبل رئيس البرلمان نبيه بري وقيادة «حزب الله»، في محاولة مكشوفة لتوفير غطاء سياسي وأمني للمتورطين وطمس التحقيقات الميدانية.
وأمام هذا الإصرار الميليشياوي على تعطيل القضاء والتغطية على الجريمة، أعلن وزراء حزب «القوات اللبنانية» انسحابهم الفوري من الجلسة الحكومية، مؤكدين أنه لا يمكن الانتظار والتغاضي عن خرق بهذا الحجم، خاصة أن الجهة المتورطة والمشغّلة للشحنة أعلنت عن نفسها بشكل صريح، في إشارة إلى حزب الله.
وتعيد هذه الحادثة الخطيرة إلى الأذهان النمط المتبع من قبل الميليشيات المسلحة في التعامل مع الملفات القضائية والأمنية؛ حيث تُستغل التحالفات السياسية والنفوذ الميداني لإفراغ التحقيقات من مضمونها وتخويف القضاة، مما يحرم الأجهزة الأمنية والقضائية من صلاحياتها الدستورية، ويحوّل المناطق الحساسة، كضهر البيدر والمعابر الحدودية، إلى نقاط سائبة لتهريب المواد الانفجارية والعتاد التسليحي، دون مراعاة لأرواح اللبنانيين ومستقبل استقرارهم الشامل.
اختطاف القرار الوطني وشبح الحرب: لبنان في مهب التجاذبات الإقليمية
ولا ينفصل ملف الشحنة المضبوطة عن المحاولات المستمرة من قبل الميليشيات لتحويل الساحة اللبنانية إلى صندوق بريد ورأس حربة في الصراعات الإقليمية؛ ففي وقت يعاني فيه المواطنون من أزمات معيشية واقتصادية طاحنة، يتواصل استغلال الأراضي والقرى اللبنانية لزرع المنصات وتخزين المتفجرات بين الأحياء السكنية وفي الممتلكات الخاصة.
وتتزايد مخاوف القيادات الوطنية من أن تؤدي هذه الاستفزازات التسليحية المستمرة إلى جلب ضربات مدمرة وإقحام البلاد في حرب شاملة لا طاقة للقطاعات الصحية والاقتصادية على تحمّل تبعاتها، لا سيما في ظل غياب أي ضمانات حاسمة من الأطراف الدولية والوساطات القائمة بين طهران وواشنطن.
ويرى خبراء وسياسيون أن استمرار هذا الواقع النيابي والحكومي المأزوم يعزز الانقسام المؤسسي في البلاد؛ إذ إن منع القضاء من البت في قضايا المتفجرات والسلاح المهرب يقوّض هيبة الدولة أمام المجتمع الدولي، ويصادر قرار الحرب والسلم من أيدي السلطات الشرعية والمؤسسات العسكرية الرسمية لصالح الميليشيات المسلحة التي تصر على إبقاء لبنان في حالة دائمة من اللا حرب واللا سلم، بما يجلب الويلات والدمار للجميع.
وكشفت التحديثات الحقوقية المعتمدة الصادرة عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان والمركز الدولي للعدالة الانتقالية لعامي 2025 و2026 أن تدخلات الميليشيات المسلحة وسلاح حزب الله تسببت في تعطيل أكثر من 85% من ملفات التحقيق القضائي في الجرائم الكبرى والاغتيالات وضبط الشحنات الخطرة، بدءًا من تفجير مرفأ بيروت وصولًا إلى قضية ضهر البيدر.
وتؤكد البيانات الرسمية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن تدهور البيئة الأمنية وهيمنة الميليشيات كبّدا الاقتصاد اللبناني خسائر مباشرة وتراكمية تجاوزت 14 مليار دولار، مما أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر إلى 73%، وحرمان الدولة من المساعدات الدولية المشروطة بإعادة هيكلة القطاع الأمني وتطبيق سيادة القانون.
إن القضية المتفجرة في ضهر البيدر والانسداد السياسي الذي شهدته الحكومة يثبتان، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الاستقرار في لبنان يظل وهميًّا ومستحيلًا طالما بقيت الميليشيات المسلحة فوق القانون وخارج إطار المساءلة والمحاسبة الوطنية.

