تتوارى أوهام الاستقرار السياسي والاقتصادي في ليبيا خلف سحب داكنة من الصراعات المحمومة وتغول الميليشيات المسلحة، حيث لم يعد نهب الثروات وسرقة مقدرات الشعب المجرد ممارسات هامشية، بل تحول إلى سلوك ممنهج تخوضه القوى النافذة وأذرعها العسكرية لاستنزاف الخزينة العامة.
وفي وقت يرزح فيه المواطن الليبي تحت طائلة أزمات معيشية طاحنة وارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية، يواجه مصرف ليبيا المركزي حربًا ضروسًا وضغوطًا عاتية تتجاوز قدرته على الحفاظ على القيمة الشرعية للعملة الوطنية، في ظل استقالات متوالية لمحافظيه وتنافس المحاور السياسية والعسكرية على تقاسم الغنيمة واقتطاع المليارات من قوت الشعب دون أدنى ضوابط أو رقابة مؤسسية.
تقارير أممية وحقوقية توثق بالأرقام حجم التدهور الاقتصادي وتغول الميليشيات
وتتطابق المعطيات الميدانية مع التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية والأممية، والتي توثق بالأرقام الدقيقة والوقائع الموثقة حجم الجرائم والانتهاكات الاقتصادية والأمنية التي ترتكبها الميليشيات المسلحة والشبكات الموازية في ليبيا.
فوفقًا لبيانات تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي الصادر لعام 2026، والبيانات الرسمية لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، فإن السيطرة غير القانونية للمجموعات المسلحة على المنشآت النفطية والموانئ والمؤسسات المالية أدت إلى خسران الدولة مليارات الدولارات سنويًا، وتسببت في تعطيل الملاحة وتصدير الخام عبر قنوات غير رسمية تذهب عوائدها لحسابات شبكات تهريب السلاح والوقود.
وتشير تقارير حقوقية صادرة عن المنظمة الليبية لحقوق الإنسان ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، إلى أن استمرار تغول الميليشيات أدى إلى تفشي الفساد الهيكلي وعرقلة عمل أجهزة الرقابة والمحاسبة عبر ممارسة سياسة الترهيب، الخطف، والابتزاز المالي ضد المسؤولين والكوادر المصرفية.
وتؤكد الأرقام الموثقة الصادرة في أبريل وسبتمبر 2026، أن الميليشيات باتت تؤمن تمويلها المباشر من خلال فرض إتاوات على الأنشطة التجارية، والسيطرة على اعتمادات مستندية بالعملة الأجنبية، وتحويل أموال الدولة لصالح تحركات عسكرية تزعزع استقرار أمن المواطنين في طرابلس وبنغازي والجنوب الليبي على حد سواء.
دوامة الاستقالات في مصرف ليبيا المركزي وضغوط الإنفاق الموازي
ولم تعد خطوة تغيير قيادة مصرف ليبيا المركزي كافية لإنهاء الضغوط المالية والعسكرية التي تلاحق إدارته السيادية. فقد شهدت الأيام الأخيرة قبول مجلس النواب استقالة المحافظ ناجي عيسى وتكليف فوزي بوخزام بقيادة المصرف، وذلك في امتداد لمسار معقد سبقه مغادرة المحافظ الأسبق الصديق الكبير لمنصبه .
والقاسم المشترك في كل هذه محطات التغيير هو الشكوى الصارخة والاعتراض المتكرر من قبل القائمين على المؤسسة النقدية من ضغوط اتساع النفقات الحكومية الموازية وتأثيرها المدمر على الاستقرار النقدي، في وقت تتزايد فيه المطالبات غير السوية بتمويل زيادات في الرواتب ونفقات استهلاكية لا تتناسب إطلاقاً مع الإيرادات النفطية المتاحة.
وفي مؤشر جدي على المخاطر المحدقة بالاقتصاد المأزوم، جددت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في بيان موثق بتاريخ أكتوبر 2026، تحذيراتها القاطعة من أن استمرار الضغوط الرامية إلى تمويل الإنفاق العام المتزايد يؤدي فورًا إلى تهاوي سعر صرف الدينار أمام العملات الأجنبية، وتأجيج معدلات التضخم الكارثية، وتسريع استنزاف احتياطيات الدولة من العملة الصعبة؛ مما يفاقم الأوضاع المعيشية المتردية ويرفع احتمالات الانفجار الاجتماعي والأمني في الشارع الليبي.
أرقام الإنفاق الحكومي وتضخم سعر الصرف في الأسواق الموازية
تكشف البيانات المالية الرسمية الصادرة عن الجهات الرقابية عن قفزات مهولة في فاتورة الإنفاق العام؛ إذ بلغ إجمالي الإنفاق المعلن خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 نحو 88.6 مليار دينار، مقارنة بـ 86.3 مليار دينار خلال الفترة نفسها من العام السابق، بزيادة تجاوزت 2.4 مليار دينار.
وبموازاة ذلك، أظهرت التقديرات المالية أن الإنفاق الموازي للحكومتين في الشرق والغرب تجاوز حاجز 69 مليار دينار ما يعادل 10.9 مليار دولار حتى نهاية شهر يوليو 2026، وسط تقارير تؤكد أن الجزء الأكبر من هذه الأموال يتم توجيهه للإنفاق الاستهلاكي وتأمين ولاءات التشكيلات المسلحة بدلاً من توجيهها لمشاريع التنمية والبنية التحتية المتهالكة.
وقد انعكس هذا الإفراط الإنفاقي المنهك بشكل مباشر على القيمة الشرائية للدينار الليبي؛ حيث اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي البالغ نحو 6.40 دينار للدولار الواحد، والسعر في السوق السوداء والموازية الذي تجاوز حاجز 10.06 دينار للدولار، متسببًا في موجات غلاء طالت كافة السلع الغذائية والخدمات الطبية.
وتكشف المعطيات الصادرة عن خبراء اقتصاد مشاورات أجريت مع صندوق النقد الدولي عن غياب تام لأي أفق قريب لتوحيد السياسة المالية، وتراجع عائدات المحروقات بفعل تضخم فاتورة الدعم، وتصدير جزء من النفط خارج القنوات السيادية المعتمدة، إلى جانب امتناع بعض المصارف التجارية عن الامتثال لتعليمات المصرف المركزي تحت تهديد السلاح.
خيارات كبح الاستنزاف وحتمية تفكيك المنظومة الميليشياوية
ويرى خبراء ومحللون استراتيجيون أن المحافظ الجديد لمصرف ليبيا المركزي يقف اليوم أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانصياع والاستسلام للواقع القائم والضغوط التي يمارسها النافذون وقادة الميليشيات والمجالس السياسية لضخ المزيد من الأموال خارج الأطر القانونية، وهو ما يعني البقاء المؤقت في المنصب حتى إفلاس الدولة واستنزاف كامل احتياطياتها، وإما محاولة تطبيق إصلاحات حقيقية وكبح جماح النفقات الموازية، وهو الخيار الذي يضعه في مواجهة مباشرة وحتمية مع القوى العسكرية والسياسية المستفيدة، مما يعرضه لمصير سابقيه بالاستقالة أو الإقالة أو الاستهداف المباشر.
إن إنهاء نزيف الموارد ونزع فتيل الكارثة الاقتصادية في ليبيا يتجاوز مجرد إبرام اتفاقات مالية مؤقتة برعاية دولية، إذ أثبت الواقع أن التباطؤ في تنفيذ هذه الاتفاقات يرتبط برغبة الأطراف المسلحة في استمرار حالة اللادولة.
ولن يتحقق الاستقرار النقدي أو تتوقف عمليات تهريب الثروات الوطنية إلا بخطوات دولية ومحلية جادة ومباشرة تفرض عقوبات صارمة على أمراء الحرب، وتعمل على تفكيك الميليشيات المسلحة، وتوحيد المؤسسات التنفيذية، وإخضاع كافة إيرادات النفط والمال العام لرقابة مدنية وقضائية حازمة تحفظ لليبيا وشعبها حقهم في الحياة والسيادة والكرامة.

