بينما يكتوي ملايين السودانيين بنار الحرب المشتعلة والمستعرة منذ منتصف أبريل2023، وتتفاقم أزمات النزوح القسري واللجوء والمجاعة الخانقة التي تعصف بأوصال البلاد وكافة أقاليمها، أثار ظهور رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان في مقطع مصور وهو يشارك عددًا من الجنود لعب “الكوتشينة” “الورق” موجة غضب عارمة وردود فعل ساخطة واسعة النطاق داخل الشارع السوداني وفي الأوساط السياسية والحقوقية والإعلامية.
ولم ينظر الشارع والناشطون إلى هذا المشهد باعتباره مجرد تصرف عابر أو غير محكم، بل اعتبروه تجسيدًا صارخًا لحالة الانفصال التام والقطيعة الكاملة عن الواقع الإنساني المأساوي الذي يعيشه الشعب، ومحاولة بائسة للإيهام بوجود شعبية مفقودة وسيطرة ميدانية، في وقت تنهار فيه مؤسسات الدولة وتتحول المدن والقرى إلى ساحات مفتوحة للموت والدمار المباشر.
إن تحركات قائد الجيش وسط التجمعات الجماهيرية وتطفله الميداني على المناسبات الشعبية بغير دعوة مسبقة باتت تنم عن سلوك سياسي غير مسؤول يفتقر لأدنى درجات الحس الوطني والإنساني؛ إذ يستقطع المواطنون لحظات خاطفة للترويح عن أنفسهم لمواجهة دمار الحرب وظروف الحصار، ليُفاجَؤوا بظهور استعراضي يحاول التغطية على السجل الحافل من الفشل العسكري والانتهاكات الميدانية الموثقة حقوقيًا ودوليًا.
غضب سياسي وشعبي: الفكي يفتح النار على تحركات البرهان الاستعراضية
وشهدت الأوساط السياسية والمدنية السودانية انتقادات حادة وجريئة وجهها عضو مجلس السيادة السابق، محمد الفكي سليمان، والذي شن هجومًا كاسحًا ومباشرًا على تحركات البرهان الميدانية، واصفًا إياها بأنها تحولت إلى مادة حاضرة للسخرية والتندر ومثال جلي على محاولات بائسة لصيد شرعية مفقودة.
وأكد الفكي في تصريحات إعلامية وميدانية حاسمة، أن ما يقوم به قائد الجيش يعبر عن عقلية سياسية فاقدة للوعي والتقدير لحجم الكارثة الوطنية والإنسانية، لكونها تهزأ بأوجاع السودانيين وتستخف عمدًا بما يواجهونه من تشريد ونزوح وجوع وفقدان للممتلكات والمنازل والذكريات والأرواح البريئة.
وأشار القيادي السياسي إلى أن مداهمة البرهان للمناسبات الشعبية ولعب الورق في الأحياء لا تمثل بأي حال من الأحوال معيارًا حقيقيًا أو دليلاً على قياس التأييد الجماهيري، متغاليًا في دعوة قائد الجيش لإجراء اختبار حقيقي وشجاع عبر إلقاء خطاب عام ومباشر أمام الشعب دون ترتيبات أمنية معقدة لاختبار مدى القبول الشعبي الحقيقي لسياساته وإدارته للصراع.
وأكد الفكي أن جميع هذه التحركات تتكامل وتتجمع في إطار سعي البرهان الدؤوب ومحاولاته المستميتة للاحتفاظ بالسلطة والحكم المطلق، دون إيلاء أدنى اهتمام بالتدهور الإنساني المريع والمطالبات الدولية الملحة بضرورة وقف القتال والذهاب فورًا نحو اتفاق سلام شاملاً يمهد للانتقال إلى الحكم المدني الديمقراطي المستقل.
تركة الدمار الإنساني: القصف الجوي واستهداف شرايين المساعدات
وتتكامل المشاهد الاستعراضية للقيادة العسكرية مع واقع ميداني أليم تسجله الطائرات الحربية والمسيرات التابعة للجيش السوداني عبر قصف ممنهج ومستمر للأحياء السكنية والأعيان المدنية والمرافق الحيوية.
وفي حادثة بارزة وخطيرة وثقتها التقارير الميدانية والأممية في الثالث من أكتوبر الجاري، تعرضت شاحنتان متعاقدتان مع برنامج الأغذية العالمي لهجوم جوي مباشر ونيران مسيرة أثناء نقلهما مساعدات غذائية ونفطية منقذة للحياة من مدينة الدلنج إلى كادوقلي في ولاية جنوب كردفان.
وأسفر الهجوم الجوي عن مقتل أحد السائقين وإصابة آخر بجروح بالغة؛ مما أدى إلى تعليق جزئي لخطوط الإمداد الإنساني وسط تحذيرات أممية شديدة وصارمة من خطورة استهداف قوافل الغذاء والدواء.
ويرى مراقبون حقوقيون، أن استهداف سلاح الجو التابع للجيش السوداني للبنى التحتية والمستشفيات والأسواق الشعبية المكتظة ليس مجرد أخطاء عسكرية جانبية، بل يندرج ضمن سياسة الأرض المحروقة وسلاح التجويع الممنهج لإخضاع المناطق والمدن؛ مما يتسبب يوميًا في سقوط عشرات الضحايا المدنيين وتعميق معاناة الملايين المحاصرين في الخرطوم ودارفور وكردفان والنيل الأزرق دون أدنى مراعاة لقواعد القانون الدولي الإنساني والمواثيق الأخلاقية التي تحكم الصراعات المسلحة.
أرقام أممية وتقارير حقوقية موثقة: السجل الأسود للانتهاكات 2024-2026
وتستند المطالبات الدولية والوطنية لإنهاء سلطة البرهان ومحاسبته إلى بيانات وحقائق مفزعة كشفت عنها اللجان الدولية والأممية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2024 و2026.
ووفقًا لتقرير لجنة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان الصادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، فإن القوات المسلحة السودانية تورطت في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، عبر القصف العشوائي المباشر بالبراميل المتفجرة والأسلحة الثقيلة على مناطق مأهولة، واستخدام سلاح التجويع وعرقلة وصول الإغاثة والمساعدات الطبية والغذائية للنازحين والمدنيين.
كما كشف التحديث الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية والتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المعتمد رسميًا لعامي 2025 و2026، عن تفشي المجاعة رسميًا (المرحلة 5) في مخيم زمزم بشمال دارفور وفي عدة مناطق بدارفور وكردفان، حيث يعاني أكثر من 25.6 مليون شخص -أي ما يعادل نصف سكان السودان- من مستويات حادة من الجوع الشديد والخطر المباشر.
وأوضحت تقارير المفوضية السامية لحقوق الإنسان والمنظمات الدولية، أن الحرب أسفرت حتى الآن عن مقتل أكثر من 20 ألف مدني، وتشريد ونزوح أكثر من 11.5 مليون شخص داخل السودان وخارجه، في أكبر أزمة نزوح وبؤس إنساني يشهدها العالم اليوم.
حتمية المساءلة وإنهاء الهيمنة العسكرية على مقدرات البلاد
إن إصرار عبد الفتاح البرهان على مواصلة الحرب والتمسك بالخيار العسكري والحل المسلح، بالتوازي مع الاستخفاف بمشاعر الضحايا والنازحين والمشردين عبر الاستعراضات الإعلامية ولعب الورق، يضع القوى الوطنية والمجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل وإن المراهنة على الحسم العسكري الميداني لم تنتج سوى المزيد من سفك الدماء والانهيار الاقتصادي الكامل وتدمير مقدرات البلاد ومؤسساتها الرسمية والخدمية والصحية.

