تعود البدايات الأولى لتشكل شبكات الإسلام السياسي في المملكة المتحدة إلى بدايات عقد الستينيات من القرن الماضي، حين هجرت كوادر قيادية تنتمي لتنظيم الإخوان المسلمين، المدرج على قوائم الإرهاب في عدة دول، والجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية التي أسسها أبو الأعلى المودودي عام 1941.
وقد عملت هذه الكوادر على استغلال مناخ الحرية والديمقراطية الغربية لتأسيس أولى اللبنات التنظيمية، بدءًا من تأسيس جمعية الطلبة المسلمين عام 1961، وتلتها البعثة الإسلامية في المملكة المتحدة عام 1962، ثم اتحاد الجمعيات الطلابية الإسلامية عام 1963، ومؤسسة التعليم الإسلامي عام 1966.
ومع حلول السبعينيات والثمانينيات، اتسعت المظلة التنظيمية لتشمل تأسيس المعهد الإسلامي عام 1972، والمجلس الإسلامي لأوروبا عام 1973، والمؤسسة الإسلامية، إضافة إلى منظمة الشباب المسلم عام 1978.
وفي عام 1986 بدأ حزب التحرير، الذي أسسه تقي الدين النبهاني عام 1953، نشاطه الفعلي والتنظيمي داخل بريطانيا، متجاوزاً الخلافات الأيديولوجية مع جماعة الإخوان لإنشاء أرضية براجماتية مشتركة تهدف إلى استقطاب أبناء الجاليات العربية والإسلامية وتجنيدهم لخدمة المشروع التوسعي العابر للحدود وتأسيس خلايا دعم لوجستي وإعلامي ممتدة عبر كافة المدن البريطانية.
أخطبوط متعدد الأذرع: التناغم التنظيمي وهندسة الواجهات الحقوقية والإعلامية
تعتمد جماعات الإسلام السياسي في بريطانيا استراتيجية تعظيم الكيانات والواجهات الوظيفية لضمان البقاء والعمل في منطقة الظل بعيدًا عن أعين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الشديدة الفحص.
وشهدت فترة التسعينيات وما تلاها في الألفية الجديدة طفرة نوعية في التأسيس التنظيمي، حيث جرى إطلاق الرابطة الإسلامية في بريطانيا عام 1997، والمجلس الإسلامي في بريطانيا الذي أعلن رسميًا عن ضم أكثر من 500 عضو من الهيئات والمساجد والمدارس والجمعيات المهنية.
كما امتد الأخطبوط ليغطي قطاعات الإعلام والعمل الحقوقي والقانوني والخيري من خلال تأسيس قناة الحوار الفضائية عام 2006، وموقع ميدل إيست مونيتور عام 2009، إضافة إلى منظمات حقوقية وإعلامية مثل “كايج إنترناشيونال” ومؤسسة قرطبة عام 2005، ومؤسسة “5 فايلرز ميديا”، فضلاً عن منظمة “دوم” الحقوقية التي تشترك في إدارتها كوادر إخوانية وأخرى محسوبة على حزب التحرير المحظور رسمياً عام 2024.
وتستهدف هذه الشبكات المعقدة تقسيم الأدوار والتخصص الوظيفي لاختراق المؤسسات، مثل تأسيس رابطة الشرطة الوطنية المسلمة ورابطة المحامين المسلمين، واستغلال المنابر الحقوقية والقانونية للدفاع عن أنشطة التنظيم المحظورة والتغطية على مصادر التمويل والتبرعات المالية الضخمة التي تجمع تحت غطاء العمل الإنساني.
تحذيرات حقوقية وقرارات أوروبية صارمة لعام 2026: بداية النهاية لملاذات التأسيس
أمام هذا التغلغل السرطاني الممتد، حذرت تقارير حقوقية ودراسات أممية متخصصة من الخطورة البالغة المترتبة على احتكار هذه الجماعات المتطرفة للحديث باسم المسلمين في الغرب وفرض أجندة أيديولوجية وانعزالية تتناقض كلياً مع قيم المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان.
وأكدت التقارير الصادرة عن هيئات مراقبة التطرف في أوروبا، أن استغلال مؤسسات العمل الخيري والمدارس الإسلامية لترويج أدبيات التكفير والحاكمية يحول الجاليات المسلمة إلى حواضن مغلقة ومفصولة عن مجتمعاتها الوطنية.
وردًا على هذه الأخطار الداهمة، أصدر البرلمان الأوروبي قرارًا تاريخيًا حاسمًا يقضي بوضع استراتيجية أوروبية موحدة وشاملة لعام 2026 لمكافحة نفوذ شبكات الإخوان المسلمين وتفكيك بؤرها التنظيمية وواجهاتها الاقتصادية والإعلامية في بريطانيا وسائر دول القارة العجوز.
وقد دفع هذا الحصار التشريعي والأمني المكثف هذه الجماعات إلى تغيير هياكلها القيادية وإخفاء أسماء مسؤوليتها ومحاولة التخفي تحت أسماء براقة جديدة، غير أن التنسيق الدولي والوعي الحقوقي الأوروبي المتصاعد بات يحاصر هذا الأخطبوط ويضيق الخناق على أذرعه المتعددة لمنع قيام أي مجتمعات موازية تهدد الأمن والسلم الدوليين وبناء استقرار مجتمعي قائم على سيادة القانون.

