تصاعدت مجددًا المخاوف الدولية والإقليمية من الممارسات العسكرية والميدانية الصارمة التي ينتهجها الجيش السوداني وحكومة بورتسودان تحت قيادة عبد الفتاح البرهان، بعد موجة جديدة من الضربات الجوية والقصف العشوائي الذي يستهدف المنازل والأعيان المدنية في ولايات السودان المختلفة.
وفي فاجعة إنسانية جديدة هزت الضمير العالمي، لقيت أسرة كاملة مصيرًا مأساويًا إثر غارة جوية نفذتها طائرة حربية استهدفت منزلاً مأهولاً بالسكان في ولاية شمال كردفان، لتسقط دماء الأطفال الأبرياء في منطقة تفتقر لأي مظاهر أو وجود عسكري.
وتأتي هذه الحادثة لتسلط الضوء على السجل الحافل للغارات الجوية والمسيرات التي تحولت إلى أداة تدمير شامل تستهدف البنية التحتية، والمدارس، والجامعات، ومراكز النازحين، في خرق صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني ومواثيق حقوق الإنسان.
مجزرة أبو زعيمة واستشهاد 5 أطفال من أسرة واحدة شمال كردفان
وأفادت مجموعة “محامو الطوارئ” الحقوقية، في بيان موثق صدر يوم الخميس، بأن طائرة حربية من طراز “أنتونوف” تابعة للجيش السوداني نفذت غارة جوية استهدفت بشكل مباشر منزل المواطن جاد الله محمد جاد الله في منطقة “أبو زعيمة” التابعة لولاية شمال كردفان.
وأكدت المجموعة الحقوقية، أن الغارة الجوية أسفرت عن مقتل جميع أطفاله الخمسة في الحال، وإصابة والدتهم بجروح خطيرة، بالإضافة إلى تدمير واسع لحق بعدد من المنازل المجاورة للمواطنين.
واعتبرت “محامو الطوارئ”، التي تتولى توثيق انتهاكات النزاع المشتعل منذ أبريل 2023، أن هذا الهجوم يمثل عودة جديدة ومتعمدة لاستهداف الطيران الحربي للمدنيين الأبرياء في منطقة آمنة لا تتواجد فيها أي ثكنات أو تجمعات عسكرية، مما يشكل جريمة حرب مكتملة الأركان.
تصاعد هجمات المسيرات ومقتل أكثر من 1100 مدني وفق التقارير الأممية
وتعتمد الاستراتيجية العسكرية للجيش السوداني بشكل مكثف على سلاح الطيران والضربات الجوية العشوائية باستخدام المسيرات والطائرات الحربية في مناطق النزاع المتشابكة، خصوصًا في ولايات كردفان والنيل الأزرق في الجنوب الغربي والشرقي.
وتكشف البيانات الحديثة الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) لعام 2026 عن أرقام صدمية؛ حيث أسفرت الهجمات الجوية والطائرات المسيرة عن مقتل 1100 شخص على الأقل في أنحاء مختلفة من السودان خلال النصف الأول من العام الجاري.
وتؤكد التقارير الأممية، أن الاستخدام المفرط وغير المتناسب للسلاح الجوي في المناطق المأهولة بالسكّان يتسبب في نزيف بشري مستمر وتدمير شامل للبنى التحتية والمستشفيات، ويمنع أجهزة الإغاثة من الوصول إلى الضحايا.
تحذيرات المجلس النرويجي للاجئين وحرمان الأطفال من التعليم بالأبيض
وعلى صعيد القطاع التعليمي والإنساني، حذر المجلس النرويجي للاجئين في تقرير عاجل صدر يوم الخميس من أن العملية التعليمية لأطفال مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تتعرض لتعطيل متواصل وخطير بفضل الهجمات الجوية المستمرة وتحليق الطائرات المسيرة، مما يفرض على الأطفال وعائلاتهم خيارات قاسية ومستحيلة بين حمايتهم من القصف أو تحصيل العلم.
وصرح مدير مكتب المجلس النرويجي للاجئين في السودان، شاشاوت ساراف، في بيان موثق بأن المدارس والمؤسسات التعليمية تضطر لإغلاق أبوابها وتعليق الدراسة بشكل متكرر نتيجة الرعب الناجم عن الطائرات، مؤكدًا أنه أمر مروع أن يواجه الأطفال مخاطر الموت لمجرد محاولتهم الوصول إلى مقاعد الدراسة.
استهداف مراكز النازحين والجامعات ورياض الأطفال في كردفان
ولم تتوقف الاعتداءات الجوية عند حدود الأحياء السكنية والمدارس الإبتدائية، بل امتدت لتطال مؤسسات التعليم العالي ومحيط النازحين المنهكين؛ حيث كشفت التوثيقات الميدانية الصادرة عن مجموعة “محامو الطوارئ” عن مقتل خمسة أشخاص على الأقل وإصابة آخرين في هجوم بطائرة مسيرة استهدف السكن الطلابي لجامعة كردفان في مدينة الأبيض.
كما رصدت التقارير الحقوقية هجمات جوية متفرقة استهدفت روضة أطفال ومراكز إيواء النازحين الفارين من نار الحرب في شمال كردفان. وتؤكد هذه الوقائع الموثقة نمطًا عملياتيًا يعتمد القصف العشوائي وتدمير المنشآت الحيوية والتعليمية التي تقدم الخدمات للمواطنين والنازحين.
الكلفة الإنسانية الكارثية ونزوح 16 مليون مواطن في التقارير الأممية
وتتضاعف المأساة الإنسانية التي خلفها الصراع وسلوك الجيش السوداني العسكري، حيث أظهرت التقييمات الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان لعام 2026، أن الحرب أدت إلى تهجير ونزوح نحو 16 مليون شخص داخل السودان وخارجه.
وأوضحت التقارير الرسمية، أن أكثر من 20 مليون مواطن يواجهون الخطر المباشر للمجاعة وانعدام الأمن الغذائي الحاد، مع حرمان نحو 19 مليون طفل من حقهم الأساسي في التعليم.
وتسبب القصف الحربي العشوائي في خروج أكثر من 70% من المرافق الصحية والمستشفيات عن الخدمة في العاصمة الخرطوم والولايات الأخرى، مما ينذر بكارثة صحية وبيئية شاملة.
التوثيق الحقوقي لـ هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية لجرائم القصف
تتوالى الإدانات الحقوقية الصادرة عن منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش لعام 2026، والتي توثق الجرائم الجسيمة المرتكبة من قبل سلاح الجو والاستخبارات العسكرية التابعة للجيش السوداني.
وتؤكد البيانات الصادرة عن المنظمات، أن استخدام براميل متفجرة وطائرات الأنتونوف غير الدقيقة في استهداف القرى والمنازل يعد خرقًا صريحًا للمادة 3 المشتركة من اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الثاني.
كما توثق التقارير ارتكاب أجهزة الأمن لحملات اعتقال تعسفي وإخفاء قسري وإعدامات ميدانية خارج نطاق القضاء طالت متطوعي غرف الطوارئ والأطقم الطبية والإغاثية الذين يحاولون إسعاف ضحايا القصف الجوي.
الملاحقة الدولية ومتطلبات فرض حظر السلاح وتفعيل المساءلة
وتؤكد الأوساط الحقوقية والدولية أن الجرائم المتواصلة بحق الأطفال والمدنيين في شمال كردفان وغيرهما من الولايات تستوجب تحركًا عاجلاً من قبل مجلس الأمن الدولي لفرض حظر شامل وفوري على توريد الأسلحة وتزويد الطيران الحربي السوداني بقطع الغيار والوقود، وإن الاستمرار في استهداف المنازل ومراكز الإيواء يُسقط كافة التبريرات العسكرية للجيش، ويفتح الباب واسعًا أمام توسيع ولاية بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة وإحالة كافة الملفات والقيادات العسكرية المتورطة في إصدار أومر القصف إلى المحكمة الجنائية الدولية لضمان تحقيق العدالة الناجزة لضحايا مجزرة أبو زعيمة وكافة أبناء الشعب السوداني.

