بعد عام على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ما تزال الهدنة عاجزة عن وضع حد نهائي للمواجهة، فيما يستمر سقوط الضحايا الفلسطينيين جراء القصف الإسرائيلي، وتتواصل السيطرة العسكرية الإسرائيلية على مساحات واسعة من القطاع.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو إعادة الإعمار بعيدة عن الانطلاق الفعلي، وسط خلافات بشأن مستقبل الحكم في غزة، وسلاح حركة حماس، وحدود الانسحاب الإسرائيلي.
ولا يرتبط تعثر الاتفاق بالتطورات الميدانية وحدها، بل يتداخل مع حسابات سياسية واستراتيجية لدى الأطراف المعنية، تجعل استمرار الوضع القائم خيارًا قابلاً للاستمرار، رغم كلفته الإنسانية الباهظة، وتضع مستقبل القطاع أمام مسارات مفتوحة يصعب حسمها في المدى القريب.
الانقسام الفلسطيني ورقة في الحسابات الإسرائيلية
يمثل مستقبل حركة حماس ودورها في إدارة غزة إحدى العقد الرئيسية أمام تنفيذ الترتيبات السياسية والأمنية.
إسرائيل تربط الانتقال إلى مراحل أكثر تقدما من الاتفاق بنزع سلاح الحركة وتغيير الواقع الأمني داخل القطاع، وتستند إلى استمرار وجودها المسلح لتبرير مواصلة العمليات وتوسيع نطاق سيطرتها الميدانية.
وفي المقابل، يتيح استمرار الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة لإسرائيل التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم طرفا غير موحد سياسيًا، وهو ما يعقد فرص إطلاق مسار تفاوضي شامل بشأن التسوية النهائية.
بذلك المعنى، لا يقتصر الخلاف على ترتيبات وقف النار، بل يمتد إلى شكل الكيان السياسي الفلسطيني الذي يمكن أن يتولى إدارة القطاع مستقبلا.
وتعزز هذه المعادلة صعوبة التوصل إلى تفاهمات بشأن الانسحاب الإسرائيلي وحدود المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية، خصوصًا مع استمرار الخلاف حول الخط الأصفر، الذي أصبح جزءا من النزاع على المساحة التي ستبقى تحت السيطرة الإسرائيلية.
إدارة غزة.. عقدة تتجاوز الخلاف على السلاح
على الرغم من إعلان حماس استعدادها لنقل إدارة القطاع إلى لجنة وطنية، فإن تنفيذ هذه الخطوة لا يزال يصطدم بعقبات سياسية وأمنية. فإسرائيل ترفض المضي في الترتيبات المقترحة ما دامت الحركة تحتفظ بسلاحها، بينما يتطلب انتقال الإدارة فعليًا السماح للجنة بدخول غزة وممارسة صلاحياتها على الأرض.
وتكشف هذه المعضلة عن فجوة بين الاتفاقات المعلنة وإمكانية تطبيقها؛ إذ لا يكفي إعلان التخلي عن الإدارة الحكومية ما لم تتوافر الظروف اللازمة لانتقال السلطة، وتحديد صلاحيات الجهات الجديدة، وضمان قدرتها على إدارة المؤسسات والخدمات الأساسية.
وفي ظل تأجيل الانتخابات الفلسطينية وغياب توافق شامل بشأن المرحلة المقبلة، يظل مستقبل الشرعية السياسية في القطاع موضع خلاف. وتستفيد الأطراف المتنافسة، بدرجات مختلفة، من استمرار الوضع الراهن: فالحكومة الإسرائيلية تتمسك بمكاسبها العسكرية، بينما تحافظ حماس على موقعها باعتبارها قوة سياسية وعسكرية رئيسية في غزة.
نتنياهو وترامب.. حسابات الانتخابات تضغط على الاتفاق
لا يمكن فصل التصعيد الإسرائيلي عن المشهد السياسي الداخلي، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتزايد الضغوط على حكومة بنيامين نتنياهو. فالتهديدات باستهداف قيادات حماس، ومن بينها خليل الحية، تتزامن مع استمرار الخلافات بشأن نتائج الحرب، وقدرة الحكومة على تحقيق أهدافها المعلنة.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة الخطاب العسكري المتشدد بوصفه جزءًا من الصراع السياسي الداخلي، إذ يسعى نتنياهو إلى إظهار استمرار الضغط على حماس، في وقت تواجه فيه حكومته انتقادات بشأن إدارة الحرب والأزمات الداخلية. لكن هذا التفسير يظل قراءة سياسية لدوافع التصعيد، وليس دليلاً قاطعًا على أن الاعتبارات الانتخابية وحدها هي التي تحكم القرارات العسكرية.
أما الولايات المتحدة، فتواجه اختبارًا يتعلق بقدرتها على تحويل خطة السلام إلى خطوات قابلة للتنفيذ، بدلاً من الاكتفاء بإدارة التصعيد بين حين وآخر. فإلزام إسرائيل بانسحاب أوسع وتقديم ضمانات بشأن مستقبل غزة قد يضع واشنطن أمام خلافات مباشرة مع حكومة نتنياهو، خاصة إذا اعتبر خصومه أن التنازلات الميدانية تمثل تراجعًا عن أهداف الحرب.
وتظهر أنماط مشابهة في ملفات إقليمية أخرى، من جنوب سوريا إلى جنوب لبنان، حيث تتداخل المطالب الأميركية بتهدئة الأوضاع مع حسابات إسرائيل الأمنية والسياسية.

