في تحول تاريخي وغير مسبوق على مستوى السياسات الأمنية والتشريعية في القارة العجوز، وجّه البرلمان الأوروبي ضربة قاصمة لشبكات الإسلام السياسي عبر موافقته الساحقة على قرار حاسم يدعو الدول الأعضاء إلى صياغة استراتيجية مشتركة وموحدة لمكافحة شبكات جماعة الإخوان المسلمين وتجفيف منابع تمويلها الخفي.
وجاء هذا القرار الاستراتيجي، الذي حظي بدعم واسع من حزب الشعب الأوروبي وتكتلات المحافظين وأقصى اليمين، إلى جانب شرائح من المشرعين الليبراليين، ليؤكد إدراك المؤسسات الأوروبية لخطورة التغلغل الناعم الذي تمارسه الواجهات المدنية والمؤسسات المرتبطة بالتنظيم بهدف تقويض أسس الديمقراطية ومؤسسات الدولة الوطنية من الداخل.
ومع تمرير القرار بأغلبية بلغت 381 صوتًا مؤيدًا، مقابل 117 معارضًا و15 ممتنعًا عن التصويت، تقف أوروبا اليوم على عتبة مرحلة جديدة من الحزم القانوني والأمني لحماية هويتها وقيمها المشتركة من مخاطر التطرف والتستر الأيديولوجي.
تفاصيل القرار الأوروبي التاريخي وأغلبية التصويت البرلماني الحاسمة
مثّل التصويت داخل البرلمان الأوروبي محطة فاصلة في مسار التعاطي الأوروبي مع تنظيم الإخوان المسلمين، حيث عكست الأغلبية الساحقة، البالغة 381 صوتًا، إجماعًا متزايدًا بين مختلف التيارات السياسية حول ضرورة التصدي بحزم لأجندات التسلل المنهجي.
ويدين القرار بوضوح «استراتيجية تسلل الإسلام السياسي التي تهدف إلى إضعاف المؤسسات الديمقراطية في جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي»، رافضًا بشكل قاطع أي محاولات لإضفاء الشرعية على الشبكات والواجهات المدنية التي تسعى إلى تقويض المنظومة القانونية والدستورية الراسخة.
ودعا النص صراحةً نائب رئيس المفوضية والممثل الأعلى للاتحاد للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية إلى رفع توصية رسمية إلى المجلس الأوروبي لإدراج جماعة الإخوان رسميًا في قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، مما يمهّد الطريق لفرض قيود صارمة على تحركات عناصرها وكياناتها في جميع أنحاء القارة.
تجفيف منابع التمويل ووقف الدعم المالي عن كيانات الإسلام السياسي
وتضمّن القرار الأوروبي إجراءات مالية وقانونية بالغة الصرامة تستهدف تفكيك البنية التحتية الاقتصادية التي تغذي أنشطة شبكات الإخوان في الدول الأعضاء.
وفي هذا السياق، طالب القرار بالتعليق الفوري والدائم لأي شكل من أشكال الدعم الاقتصادي أو المنح أو الإعانات أو المساعدات المالية الممولة من ميزانية الاتحاد الأوروبي لأي منظمة أو مؤسسة أو منظمة غير حكومية أو كيان مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بشبكات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان.
وألزم القرار المفوضية الأوروبية بتقييم مدى ملاءمة الإطار القانوني الحالي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومدى قدرته على اعتراض تدفقات الأموال الخارجية المشبوهة التي تتلقاها تلك الكيانات من جهات حكومية وغير حكومية خارج حدود الاتحاد الأوروبي، وتتبعها ومنعها.
دور الهيئة الأوروبية لمكافحة غسل الأموال في تتبع التدفقات المشبوهة
في خطوة عملية لتعزيز الرقابة المالية، حثّ القرار الهيئة الأوروبية المنشأة حديثًا لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب على إعطاء الأولوية القصوى لرصد المنظمات غير الحكومية والجمعيات والواجهات المرتبطة بشبكة جماعة الإخوان المسلمين.
وطالب الهيئة بتقييم تدفقاتها المالية بشكل استباقي ومستمر لتحديد الأنشطة المالية غير المشروعة، وطرق الالتفاف على قواعد الشفافية المعتمدة، وكشف شبكات التمويل العابرة للحدود.
وإلى جانب ذلك، شدد القرار على ضرورة قيام المفوضية والدول الأعضاء بتعزيز الرقابة على الهياكل الاقتصادية المرتبطة بشهادات الحلال، ولا سيما تدفقاتها المالية المعقدة وروابطها الخفية مع جهات فاعلة من خارج الاتحاد الأوروبي تستغل هذه العناوين التجارية لأغراض تنظيمية وأيديولوجية.
تقارير حقوقية وأمنية تحذر من خطورة الاختراق التعليمي والمجتمعي
وتتطابق القرارات التشريعية الأوروبية مع تحذيرات مكثفة أطلقتها تقارير أمنية وحقوقية دولية حول خطورة استخدام المؤسسات التعليمية والجمعيات الثقافية أدواتٍ لتمرير أجندات الانفصال والتصدي للقيم الغربية الديمقراطية.
وفي هذا السياق، طالب القرار الأوروبي صراحةً الدول الأعضاء بتعزيز الرقابة الفعلية والصارمة على المدارس والجمعيات التعليمية والمراكز الدينية، حيث توجد، وفقًا لما أورده القرار، أدلة موثقة تؤكد استخدامها لتعزيز تسلل الإسلام السياسي وتفريخ أجيال منفصلة مجتمعيًا عن محيطها الديمقراطي.
وتؤكد الهيئات الحقوقية أن غياب الرقابة الفاعلة على هذه الحاضنات التعليمية منح الجماعات المتطرفة مساحات واسعة لنشر الفكر الإقصائي، مما يجعل التدخل التشريعي الأخير ضرورة حتمية لحماية السلم المجتمعي ووحدة الدول الأوروبية.
نحو استراتيجية أوروبية شاملة لحماية الديمقراطية وسيادة القانون
وتخلص المؤسسات التشريعية في الاتحاد الأوروبي إلى أن مواجهة شبكات النفوذ السرية تتطلب إرادة سياسية موحدة تتجاوز الإجراءات الشكلية نحو تفكيك الشبكات التنظيمية والمالية بشكل كامل.
إن الخطوة التاريخية للبرلمان الأوروبي تمثل نقطة تحول كبرى في صياغة الأمن القومي والقاري لأوروبا، حيث ترسخ مبدأ سيادة القانون وترفض تمامًا استغلال الفراغات القانونية وحريات المجتمع المدني لتنفيذ أجندات هدامة.
ويبقى الرهان الحقيقي معقودًا على التزام الحكومات الوطنية بتنفيذ هذه التوصيات الصارمة بدقة، وتفعيل آليات المراقبة والمحاسبة لقطع دابر أي محاولات اختراق مستقبلية تهدد استقرار المجتمعات الأوروبية الديمقراطية ووحدتها.

