ذات صلة

جمع

في ظل التغييرات الأمنية ببغداد.. كيف يواجه العراق هيمنة الميليشيات وحسابات الفراغ الدولي؟

تشهد العاصمة العراقية بغداد مخاضاً أمنياً وعسكرياً بالغ الدقة...

كيف يجر حزب الله لبنان نحو الهاوية عبر تعطيل اتفاق الإطار ومصادرة قرار الدولة؟

تحت وطأة أزمات اقتصادية طاحنة ودمار هيكلي غير مسبوق،...

تساقط أوراق التوت.. كيف تحاصر التشريعات الأمريكية شبكات الإخوان؟

تشهد الساحة السياسية والأمنية في الولايات المتحدة الأمريكية تحولات...

في ظل التغييرات الأمنية ببغداد.. كيف يواجه العراق هيمنة الميليشيات وحسابات الفراغ الدولي؟

تشهد العاصمة العراقية بغداد مخاضاً أمنياً وعسكرياً بالغ الدقة والخطورة، وسط صراع محتدم بين مؤسسات الدولة الرسمية الساعية لفرض سيادة القانون وبين سطوة الميليشيات المسلحة والفصائل الخارجة عن القانون التي تهدد استقرار البلاد.

وفي خطوة استراتيجية حاسمة تهدف إلى إعادة هيكلة المنظومة الدفاعية، أصدر رئيس الوزراء العراقي قراراً بتكليف اللواء الركن أسامة عبد طارش قائداً جديداً للفرقة الخاصة المسؤولة عن حماية “المنطقة الخضراء” الحصينة، متوجاً بذلك سلسلة واسعة من التغييرات الجذرية التي طالت كبار القادة الأمنيين والعسكريين.

وتتزامن هذه التطورات الميدانية المتسارعة مع اقتراب الموعد الحاسم المحدد لنهاية مهمة قوات التحالف الدولي في العراق بنهاية سبتمبر 2026، وسط تقارير أممية وحقوقية تحذر من تداعيات ترك فراغ أمني تستغله الجماعات المسلحة لتوسيع نفوذها.

إن هذا المشهد المعقد يضع الدولة العراقية أمام اختبار تاريخي فاصل؛ فإما نجاح القيادة السياسية والأمنية في تفكيك شبكات السيطرة الميليشياوية، أو الانزلاق نحو فوضى عارمة تقوض ما تبقى من مقومات الاستقرار والسيادة الوطنية.

هيكلة المنظومة الأمنية في بغداد.. تفاصيل تغييرات قيادات النخبة وحماية المنطقة الخضراء

تعكس التغييرات الهيكلية المتتالية التي أجرتها الحكومة العراقية في مفاصل المؤسسة العسكرية والأمنية رغبة ملحة في ضبط الإيقاع الأمني داخل العاصمة بغداد، وتأمين المراكز السيادية والدبلوماسية الحساسة.

وشملت القرارات الحكومية الأخيرة تكليف اللواء الركن أسامة عبد طارش، القادم من صفوف القوات الخاصة، بإدارة قيادة الفرقة الخاصة المعنية بتأمين “المنطقة الخضراء” التي تضم مقار رئاسة الوزراء، والبرلمان، والبعثات الدبلوماسية الأجنبية الكبرى.

وأوضحت مصادر أمنية رفيعة المستوى لوسائل الإعلام أن هذه التعيينات لم تكن معزولة، بل جاءت استكمالاً لحركة تغييرات شاملة طالت رؤساء وقادة أمنيين بارزين، شملت تعيين رئيس جديد لجهاز مكافحة الإرهاب، وقائداً للشرطة الاتحادية، ومسؤولين كباراً في قطاع الاستخبارات والأمن الوطني، فضلاً عن مباشرة اللواء الركن هادي الكناني مهامه الرسمية قائداً جديداً لعمليات بغداد.

وتؤكد هذه الخطوات المتسارعة إدراك القيادة العراقية لحجم التحديات الجسيمة المتمثلة في ضرورة إحكام السيطرة الأمنية، ومنع أي خروقات محتملة قد تهدد سلامة المؤسسات الدستورية في ظل التوتر الإقليمي المستمر.

تقارير أممية وحقوقية موثقة.. رصد انتهاكات الميليشيات وتهديدها لأمن واستقرار العراق

تستند التقييمات الحقوقية والأمنية الدولية للوضع في العراق إلى سجل موثق بالأرقام والتواريخ الدقيقة أصدرته بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومنظمات دولية معتمدة مثل «هيومن رايتس ووتش» خلال تقاريرها الصادرة حتى منتصف عام 2026.

وأكدت التقارير الأممية أن استمرار هيمنة الفصائل المسلحة والميليشيات الخارجة عن سلطة الدولة على مفاصل اقتصادية وأمنية حيوية يمثل التهديد الأكبر للاستقرار الدستوري والسلم الأهلي في البلاد.

ووثقت التوثيقات الحقوقية تورط هذه التشكيلات غير النظامية في عمليات اغتيال، وقصف صاروخي متكرر للمقار الدبلوماسية والحكومية، فضلاً عن فرض إتاوات وابتزاز اقتصادي يعيق جهود التنمية والإعمار.

وأشارت البيانات الصادرة عن لجان حقوق الإنسان إلى أن غياب المساءلة الفعالة وضعف سيادة القانون في بعض المناطق يمنحان الميليشيات مساحة واسعة للتحرك بحرية تامة، مما يجعل تفكيك هذه الشبكات وإخضاعها لسلطة الدولة أمراً لا غنى عنه لحماية حقوق المواطنين وضمان أمنهم واستقرارهم.

استحقاق الانسحاب الدولي وتحدي السلاح المنفلت.. حسابات الفراغ الأمني في خريف 2026

ويواجه العراق تحدياً استراتيجياً غير مسبوق مع اقتراب الموعد النهائي المقرر لإنهاء مهام قوات التحالف الدولي في البلاد بنهاية سبتمبر 2026، وسط مخاوف جدية من استغلال الفصائل المسلحة لهذا الفراغ العسكري لفرض معادلات قوة جديدة على الأرض.

وتشير التقارير الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث السياسية والدولية إلى أن النقاشات المحتدمة حول مصير سلاح الميليشيات أصبحت العصب الرئيسي للخلافات السياسية داخل المشهد العراقي، حيث تصر الأطراف الحكومية على حصر السلاح بيد الدولة، بينما تتمسك الجماعات المسلحة بالحفاظ على ترسانتها واستقلاليتها العسكرية.

وفي هذا السياق، عقد رئيس جهاز مكافحة الإرهاب الفريق الركن زيد حوشي، بالتزامن مع هذه التطورات، اجتماعات أمنية مكثفة مع وكيل جهاز المخابرات الوطني وقاص الحديثي، لبحث تنسيق الجهود الاستخبارية لمواجهة التهديدات الإرهابية والخروقات الأمنية المتوقعة، مما يعكس سباقاً محموماً بين أجهزة الدولة الأمنية لفرض هيبتها قبل اكتمال الانسحاب الدولي المرتقب.

التنسيق الأمني والاستخباري المشترك.. خطط الدولة لمواجهة الخلايا النائمة والجريمة المنظمة

تدرك القيادات الأمنية والعسكرية الجديدة في العراق أن مواجهة التحديات الراهنة تتطلب تعزيز آليات التعاون الاستخباري المشترك بين كافة الأجهزة الأمنية والعسكرية لقطع دابر الخلايا النائمة وشبكات الجريمة المنظمة المرتبطة بالميليشيات.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الاجتماعات التنسيقية المتواصلة بين جهاز مكافحة الإرهاب، وجهاز المخابرات الوطني، ووكالات وزارة الداخلية تهدف إلى بناء قاعدة بيانات استخبارية دقيقة ترصد تحركات العناصر المشبوهة ومصادر تمويلها غير المشروعة.

وأكدت تقارير أمنية رسمية صدرت مؤخراً أن تفعيل العمل الاستباقي وتطوير القدرات التقنية والفنية لقوات النية والتدخل السريع أصبح ضرورة حتمية لتعويض أي نقص محتمل قد ينجم عن إعادة انتشار القوات الأجنبية.

وتعمل القيادة العسكرية على إعداد خطط دفاعية محكمة لتأمين الحدود الدولية والمحافظات الداخلية، وضمان عدم تمكن الميليشيات أو التنظيمات الإرهابية من استغلال الظروف الإقليمية المعقدة لزعزعة الأمن والاستقرار في العاصمة وبقية المدن العراقية.

حتمية فرض سيادة القانون واجتثاث السلاح المنفلت لبناء الدولة القوية

تفرض التطورات المتلاحقة في المشهد العراقي ضرورة وطنية ملحة لتوحيد الصفوف السياسية والشعبية خلف مؤسسات الدولة الرسمية، للعبور بالبلاد نحو بر الأمان وتحقيق تطلعات الشعب في العيش الكريم تحت سيادة القانون.

إن تجربة العقود الماضية أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن استمرار وجود الميليشيات والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة يمثل قنبلة موقوتة تهدد وحدة الكيان العراقي ومستقبل أجياله القادمة.

وفي هذا السياق، يتصاعد الوعي الوطني بأهمية دعم القرارات الحكومية الجريئة الخاصة بإصلاح المؤسسة العسكرية والأمنية، وإبعاد العناصر الولائية عن مفاصل القرار السيادي. إن العراق بتاريخه العريق وحضارته الخالدة وموقعه الاستراتيجي المحوري يستحق أن يكون دولة مستقلة سيدة، قادرة على حماية أراضيها وفرض هيبتها على الجميع دون استثناء، وبهذا، يظل الالتزام الصارم بتطبيق الدستور، وتجفيف منابع تمويل الميليشيات، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي العادل هو الضمانة الوحيدة لبناء مستقبل مشرق ينعم فيه العراقيون بالأمن، والاستقرار، والرخاء الاقتصادي.