تحت وطأة أزمات اقتصادية طاحنة ودمار هيكلي غير مسبوق، يقف لبنان اليوم على حافة الهاوية وسط مخاض عسير يعكسه استمرار نزيف الدم والخراب في جنوده وقراه، مدفوعًا بتعنت غير مسبوق من حزب الله وميليشياته الطائفية التي تصر على خطف قرار الدولة ومصادرة سيادتها.
ولم تعد المأساة اللبنانية مجرد تداعيات لصراع إقليمي عابر، بل تحولت إلى ورقة ابتزاز استراتيجي تحركها طهران عبر أذرعها المسلحة لتعطيل أي فرصة حقيقية للسلام والاستقرار، متجاوزة كافة التفاهمات والاتفاقيات الدولية والإطارية الرامية إلى نزع السلاح غير الشرعي وبسط سلطة الدولة.
وفي الوقت الذي يترقب فيه ملايين اللبنانيين بصيص أمل للخروج من كابوس الحرب التي انخرط فيها الحزب قسرًا دفاعًا عن أجندات خارجية، تكشف الغارات الإسرائيلية الدامية الأخيرة، والتي أسفرت عن سقوط سبعة قتلى في أطراف بلدة أنصار جنوب لبنان، عن هشاشة الوضع الميداني وعمق التورط الحوثي والإيراني في إفشال مسارات التهدئة.
إن هذا الواقع المأساوي يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار مصيري فاصل بين الخضوع لإملاءات الميليشيات أو فرض سيادة الدستور وحماية مقدرات الشعب الذي بات الضحية الوحيدة لمغامرات حزب الله الطائشة.
دموية الانتهاكات: مقتل سبعة أشخاص في غارات جنوب لبنان وسط تصدع الاتفاق الإطاري
وشهد الجنوب اللبناني تطورات ميدانية دامية أسفرت عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة ثلاثة آخرين في غارة جوية إسرائيلية عنيفة استهدفت منزلاً في أطراف بلدة أنصار لجهة الزرارية، في أكبر حصيلة للضحايا منذ توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران في يونيو الماضي، والاتفاق الإطاري بين تل أبيب وبيروت أواخر الشهر نفسه.
ووفقًا لتقارير الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية، أدت الغارة إلى تدمير المنزل بالكامل واستنفار طواقم الإسعاف لرفع الأنقاض ونشر الجثامين إلى مستشفيات النبطية، تزامنًا مع استهداف الوادي بين بلدتي أنصار والزرارية في أعمق اختراق جغرافي منذ بدء وقف إطلاق النار قبل شهرين، فضلاً عن نسف مبانٍ سكنية كاملة في مدينة بنت جبيل المحاذية للحدود.
وتأتي هذه التطورات العسكرية لتؤكد مجددًا أن حزب الله، الذي أقحم لبنان في حرب مدمرة مطلع مارس/آذار الماضي ردًا على مقتل مرشد إيران علي خامنئي، ما زال يرفض الانصياع للمنطق الوطني الرامي إلى حماية المدنيين وتجنيب البلاد ويلات الصدام المسلح.
وأشارت تقارير صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين ومنسق الأمم المتحدة الخاص في لبنان خلال شهر يوليو 2026 إلى أن استمرار الخروقات العسكرية والعمليات الهجومية التي تقودها الميليشيات أسفر عن نزوح مئات الآلاف من المدنيين وتدمير آلاف الوحدات السكنية والبنية التحتية الأساسية في الجنوب، مما يفاقم من الأزمة الإنسانية والاقتصادية غير المسبوقة التي تعاني منها البلاد.
رصد دقيق لجرائم الميليشيات وتداعياتها الكارثية على الشعب اللبناني
تستند القراءات الموضوعية للأزمة اللبنانية الراهنة إلى سجل موثق بالأرقام والتواريخ من التقارير الأممية والحقوقية الدولية التي فضحت الدور التخريبي الذي يمارسه حزب الله والميليشيات المرتبطة به في تقويض مؤسسات الدولة اللبنانية.
ففي تقرير أصدره مجلس الأمن الدولي ولجان التحقيق الدولية المعنية بمتابعة تطبيق القرارات الأممية ذات الصلة بلنان في منتصف عام 2026، تم رصد آلاف الانتهاكات الخطيرة للقوانين الإنسانية الدولية، بما في ذلك استخدام المدنيين دروعًا بشرية، وتخزين الأسلحة والذخائر داخل الأحياء السكنية المكتظة، وعرقلة عمل قوات حفظ السلام الدولية (اليونيفيل) في جنوب لبنان، علاوة على ذلك، أشارت تقارير صادرة عن منظمة العفو الدولية ومنظمة “هيومن رايتس ووتش” -في فترات متفرقة- إلى أن سياسات الهيمنة المسلحة التي فرضها الحزب أدت إلى شلل شبه تام في الاقتصاد اللبناني.
حيث تسببت الهجمات العشوائية وردود الفعل العسكرية المدمرة في تكبيد الاقتصاد الوطني خسائر مادية تجاوزت عشرات مليارات الدولارات، فضلاً عن انهيار القطاع الصحي والتعليمي والخدمي.
وأكدت التقارير الحقوقية، أن استمرار سلاح الميليشيات خارج نطاق الدولة يشكل العقبة الكبرى أمام وصول المساعدات الإنسانية الدولية للمتضررين، ويُكرس حالة الإفلات من العقاب للقيادات المسؤولة عن جرائم الترهيب السياسي والاغتيالات التي شهدتها الساحة اللبنانية على مدار العقود الماضية.
تعنت حزب الله
يمثل الموقف المتصلب الذي يعبر عنه حزب الله تجاه اتفاق الإطار برعاية أمريكية دليلاً قاطعًا على ارتباطه الوثقي بالأجندات الإقليمية الخارجية وغياب أي اعتبار للمصلحة الوطنية العليا للبنان.
وينص اتفاق الإطار الذي أُبرم بعد خمس جولات تفاوض مكثفة على نزع سلاح حزب الله تدريجيًا، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة في جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني بشكل تدريجي لبسط سيادة الدولة بدءًا من المناطق التجريبية، غير أن القيادة العسكرية والسياسية للحزب ترفض بشكل مطلق وممنهج أي تفاوض مباشر أو غير مباشر يمس بترسانتها العسكرية غير الشرعية، متهمة السلطات اللبنانية الرسمية بالرضوخ للضغوط الخارجية.
وفي تصعيد سياسي خطير، شن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم هجوماً حاداً على الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية، متهماً إياها بتعريض الجيش اللبناني لضغوط إسرائيلية لتطبيق الاتفاق الإطاري، وهو ما اعتبره المراقبون إقرارًا واضحًا برفض الحزب لسلطة الدولة وإصراره على بقاء لبنان ساحة مستباحة لحروب الوكالة.
ويرى خبراء استراتيجيون، أن هذا التعنت يضع المؤسسة العسكرية اللبنانية في مواجهة مباشرة مع طموحات الشعب في استعادة قراره السيادي، ويثبت أن الحزب مستعد لتدمير ما تبقى من مقومات الدولة اللبنانية في سبيل الحفاظ على نفوذه الميليشياوي وخدمة استراتيجيات الحرس الثوري الإيراني في المنطقة.
ولم تقتصر تداعيات هيمنة حزب الله والميليشيات على الجانب الأمني والسياسي فحسب، بل امتدت لتشمل تدمير البنية الاقتصادية والمالية للبلاد، محولة لبنان إلى نموذج صارخ للدولة الفاشلة التي يعيش أغلب مواطنيها تحت خط الفقر.
وتشير بيانات البنك الدولي ومن صندوق النقد الدولي الصادرة في تقاريرها لعام 2026 إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للبنان شهد انكماشًا تاريخيًا تجاوز ستين بالمئة مقارنة بسنوات ما قبل الأزمة، مع انهيار تام لسعر صرف الليرة اللبنانية وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات فلكية جعلت الغالبية العظمى من العائلات اللبنانية عاجزة عن تأمين أبسط مقومات العيش الكريم من غذاء ودواء ووقود.
وأوضحت التقارير الاقتصادية، أن سياسات الهيمنة والتهريب والفساد المالي الممنهج التي رعتها شبكات تابعة للميليشيات أدت إلى استنزاف احتياطيات مصرف لبنان وتخريب القطاع المصرفي، فضلاً عن طرد الاستثمارات العربية والأجنبية.
وفي هذا السياق، تؤكد تقارير منظمات المجتمع المدني اللبناني، أن الأزمة المعيشية الحالية ليست وليدة صدفة اقتصادية، بل هي النتيجة الحتمية لتحويل لبنان إلى منصة عسكرية مسلحة تتبع أجندات خارجية لا تقيم وزنًا لمعاناة المواطن العادي ولا تبالي بمستقبل الأجيال القادمة، مما جعل الهجرة الجماعية للشباب والكفاءات اللبنانية الخيار الوحيد الهارب من جحيم الهيمنة الحزبية والخراب الشامل.

