ذات صلة

جمع

من النفوذ إلى الانحسار.. كيف فقد إخوان العراق أدوات التأثير السياسي والشعبي؟

بين أروقة السياسة المظلمة ورهانات السلطة الخاسرة، شهد المشهد...

المرأة السورية في البرلمان الجديد.. حضور رمزي أم بداية تغيير تشريعي؟

تتلاحق التطورات السياسية في سوريا لترسم ملامح مرحلة دقيقة...

عقوبات أمريكية تضرب قيادة الإخوان.. ماذا يعني إدراج محمود الإبياري؟

في خطوة تصعيدية تعيد رسم خارطة المواجهة الدولية ضد...

مصفاة الزاوية تكشف أزمة أكبر.. كيف يهدد السلاح المنفلت مستقبل النفط الليبي؟

بين ألسنة اللهب المتصاعدة ودوي الاشتباكات العشوائية، تنزف مصفاة...

المرأة السورية في البرلمان الجديد.. حضور رمزي أم بداية تغيير تشريعي؟

تتلاحق التطورات السياسية في سوريا لترسم ملامح مرحلة دقيقة تتطلب إعادة ترميم الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة التشريعية والرقابية، ففي قلب هذا المشهد المتجدد، يبرز تمثيل النساء والكفاءات المتنوعة في البرلمان الجديد كعنوان رئيسي للنقاش العام حول مدى جدية التحول نحو الشراكة المجتمعية الحقيقية.

ومع توثيق التقارير الحقوقية المحلية والدولية لواقع الحريات والانتهاكات السابقة، يتضح جليًا أن وجود شخصيات نسائية وأكاديمية بارزة تحت قبة البرلمان يحمل على عاتقه مسؤولية مضاعفة لتحويل الشعارات الثقافية إلى نفوذ تشريعي وفعلي يساهم بجدية في صياغة مستقبل سوريا الجديد.

هل يمكن لفسيفساء التنوع الاجتماعي والثقافي البديع أن تترجم نفسها إلى نفوذ سياسي حقيقي تحت قبة البرلمان، أم أنها ستظل مجرد واجهة تمثيلية خجولة تخفي خلفها تركة ثقيلة من الإقصاء؟ في محطة تاريخية مفصلية تمر بها البلاد بعد عقود طويلة من الاستبداد والجمود المؤسسي، يقف مجلس الشعب السوري الجديد أمام اختبار غير مسبوق لإعادة صياغة العقد الاجتماعي والسياسي.

ومع اكتمال التشكيلة التشريعية ووصول عدد العضوات النسائية إلى 22 عضوة من إجمالي 207 أعضاء بنسبة تقارب 10%، تفتح الأبواب واسعة أمام نقاشات ساخنة ومكثفة حول قدرة هذه النخبة المتنوعة على ترك بصمة تشريعية حقيقية تتجاوز التمثيل الشكلي.

وفي ظل تقارير حقوقية وأممية حديثة صادرة عن مؤسسات دولية ومحلية ترصد بدقة مؤشرات حقوق الإنسان والمشاركة السياسية لعام 2026، تتكشف تفاصيل بالغة الأهمية حول التحديات القانونية والمجتمعية التي تواجه مسار بناء مؤسسات الدولة الحديثة في سوريا، وسط آمال عريضة بتجاوز إرث الماضي نحو فضاء ديمقراطي وعادل.

أرقام ونتائج تشكيل البرلمان السوري الجديد

حيث تُظهر البيانات الأولية والتقارير الصادرة عن مراكز ومتابعات الشأن العام السوري أن عملية استكمال تشكيل مجلس الشعب أفرزت واقعًا عدديًا وهيكليًا يثير الكثير من التساؤلات النقاشية حول معايير التمثيل العادل، فبعد مراحل انتخابية وتعيينات حكومية انتقالية، استقر إجمالي عدد أعضاء المجلس عند 207 أعضاء، موزعين بين أعضاء اختيروا عبر الهيئات الناخبة وآخرين جرى تعيينهم بقرارات مباشرة لاستدراك النقص في تمثيل بعض الفئات والمناطق.

وتشير الأرقام الرسمية إلى دخول 22 سيدة إلى قبة البرلمان، لتصل النسبة العامة إلى حدود 10%، وهي قريبة جداً من نسبة تمثيل النساء التي بلغت 9.6% في آخر مجلس شعب انتُخب في عهد الرئيس السابق بشار الأسد عام 2024.

ويرى باحثون، أن هذه النسب تعكس فجوة ملحوظة مقارنة بالطموحات المعلنة لتعزيز حضور المرأة في مراكز صنع القرار، خصوصًا إذا ما تم قياسها على مخرجات اللجان الناخبة، مما يستدعي وقفة نقدية جادة أمام الآليات المتبعة في اختيار المرشحات وضمان حظوظ أوسع لهن في الاستحقاقات الدستورية المقبلة وإعداد الدستور الجديد.

تنوع تحت قبة البرلمان: بين الفن والأكاديميا والتمثيل المجتمعي

حيث حملت الجلسات الأولى للبرلمان السوري الجديد صوراً ودلالات بصرية واجتماعية غير مسبوقة، حيث جلست تحت قبة المجلس نساء ينتمين إلى خلفيات ثقافية ومجتمعية شديدة التنوع، فقد شملت القائمة الممثلة شابة روزينا لاذقاني “36 عامًا”، المتخرجة من المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق والمعروفة بأدوارها في مسلسلات مثل “الهيبة” و”أولاد بديعة”، والتي جرى تعيينها من قبل السلطات وسط تفاجئها بالخطوة وتصريحاتها التي أقرت فيها بأنها لست ضليعة بالسياسة.

وفي المقابل، انتقلت الأستاذة في كلية الهندسة باللاذقية مادونا بشارة “38 عامًا”، الحاصلة على دكتوراه في الهندسة المدنية، من قاعات التدريس إلى مجلس الشعب ليتم انتخابها نائبة ثانية لرئيس المجلس، مؤكدة أن وجود المرأة لن يكون زينة بل بداية لمسار تشريعي حقيقي.

كما تضم التشكيلة الروائية المعارضة نور جندلي “48 عامًا” عن محافظة حمص، والتي تحمل عصارة تجارب الحصار والعمل المدني منذ عام 2011، إلى جانب ميرفت توتو، أول منتقبة في المجلس والتي تم تعيينها كأرملة لقائد عسكري سابق في إدلب، وعائشة الدبس التي شغفت منصب مديرة لمكتب شؤون المرأة سابقًا، لتعكس هذه الأسماء تباينات فكرية واجتماعية واسعة.

الوجود الكردي والتحديات التشريعية لتمثيل المكونات في المجالس

بزيّها الكردي المزخرف، حضرت فصلة يوسف “56 عامًا” أولى جلسات مجلس الشعب كمرشحة عن المجلس الوطني الكردي في محافظة الحسكة، في تذكير دائم بهوية الأكراد وقضاياهم المعلقة وسط مخاوف حقيقية من التهميش أو عدم الاستقرار المؤسسي.

وتؤكد يوسف، أن مسؤوليتها مزدوجة في الدفاع عن كافة مكونات الشعب السوري ولا سيما الكرد، في وقت تسعى فيه الأطراف المختلفة لدمج الإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة وتثبيت حقوق المرأة في الدستور المرتقب.

وتستند النقاشات الدائرة حول مستقبل الحريات والتمثيل السياسي في سوريا إلى تقارير دورية وموثقة صادرة عن مؤسسات حقوقية رفيعة المستوى، مثل الشبكة السورية لحقوق الإنسان، والتي توثق بدقة حالات الاعتقال والانتهاكات وظروف حقوق الإنسان العامة بالتاريخ والوقائع.

وتؤكد هذه التقارير، أن إشراك النساء والضحايا في مسارات العدالة الانتقالية وبناء المؤسسات يعد شرطًا لا غنى عنه لتحقيق الاستقرار المستدام وصياغة قوانين تحترم مبادئ حقوق الإنسان الأساسية ومعايير القضاء على التمييز ضد المرأة (سيداو).

آفاق العمل التشريعي والتحديات الكبرى أمام النخب النسائية والأكاديمية

وتواجه الكفاءات النسائية والأكاديمية التي دخلت البرلمان السوري حديثًا تركة ثقيلة من التحديات التشريعية والاقتصادية والاجتماعية التي خلفها عقد كامل من الصدمات والدمار والنزاعات المسلحة.

ويعقد الشارع السوري آمالاً عريضة على هذه النخب لتقديم مقترحات قوانين تسهم في تحسين الأوضاع المعيشية، وتعديل التشريعات المجحفة بحق الأسرة والمرأة، وتعزيز مبدأ المواطنة المتساوية بعيدًا عن أي تمييز طائفي أو مناطقي.

ورغم التحديات الكبيرة المرتبطة بغلبة العقليات التقليدية والبيئة السياسية المعقدة، والتصريحات الجدلية التي أطلقتها بعض العضوات حول أولويات فطرة المرأة ودورها الأسري، إلا أن تحول هذا الحضور النيابي المتنوع إلى قوة فشار حقيقية سيعتمد بشكل أساسي على مدى تضامن العضوات وتنسيقهن مع منظمات المجتمع المدني والشبكات النسوية السورية الساعية إلى بناء دولة قانون وعدالة لجميع أبنائها دون إقصاء.