ذات صلة

جمع

بنوك الخفاء وتجميد الحسابات.. كيف حاصرت واشنطن شبكات تمويل التنظيم الدولي؟

تشهد الساحة الدولية تطورات أمنية بالغة الأهمية تتعلق بضرب...

أذرع طهران المحترقة.. ما هي دلالات استهداف مخازن السلاح الإيرانية في مأرب والجوف؟

شهد المشهد اليمني تطورات عسكرية متسارعة تنذر بانهيار تام...

بنوك الخفاء وتجميد الحسابات.. كيف حاصرت واشنطن شبكات تمويل التنظيم الدولي؟

تشهد الساحة الدولية تطورات أمنية بالغة الأهمية تتعلق بضرب شبكات التمويل التابعة للتنظيمات المتطرفة، حيث لطالما شكّل التمويل العابر للحدود شريان الحياة الرئيسي لجماعة الإخوان الإرهابية لتنفيذ مخططاتها العابرة للقارات.

وفي هذا السياق المتسارع، أسدلت وزارة الخزانة الأمريكية الستار على حقبة طويلة من التخفي المالي والإداري عبر إدراج القيادي البارز محمود الإبياري، الأمين العام للتنظيم الدولي للجماعة والذي يحمل الجنسية النمساوية ويقيم في بريطانيا، على قوائم العقوبات الرسمية، رفقة عدد من الأفراد والكيانات الواجهة التي تستخدمها الجماعة لضخ الأموال وتمويل حركة حماس.

هذه الخطوة الاستراتيجية لا تقتصر على تجميد الأصول والتحويلات فحسب، بل تمثل ضربة قاصمة لشبكات “بنوك الخفاء” التي أدارها الإبياري من خلف الستار على مدار عقود طويلة، مستغلاً شبكة واسعة من المؤسسات الوهمية والشركات المسجلة في العواصم الأوروبية لتمرير الأموال بعيدًا عن أعين الرقابة المالية الدولية.

من هو محمود الإبياري؟ مهندس شبكات التمويل العابر للحدود

يُعد محمود الإبياري، المولود عام 1952، أحد أبرز الركائز التاريخية التي اعتمدت عليها جماعة الإخوان الإرهابية في بناء منظومتها الاقتصادية والسرية في القارة الأوروبية.

تعود جذور انخراطه في العمل التنظيمي إلى ستينيات القرن الماضي ضمن ما عُرف بـ”تنظيم 1965″ بقيادة سيد قطب، قبل أن يفر إلى أوروبا ويستقر في النمسا ويحصل على جنسيتها، مشاركًا في تأسيس وتوسيع الشبكات التنظيمية رفقة أسماء بارزة مثل أنس الشقفة، إبراهيم الزيات، يوسف ندا، وسعيد رمضان.

لقد استغل الإبياري تواجده المكثف بين فيينا ولندن لتأسيس شبكة واسعة من المؤسسات والمنظمات التي اتخذت طابعًا ظاهريًا مدنيًا أو إعلاميًا، بينما كانت في جوهرها واجهات محكمة لتدوير الأموال وتمويل الأنشطة المحظورة، وهو ما وثقته تقارير حقوقية ودولية عديدة حذرت مرارًا من خطورة استخدام الكيانات غير الربحية كستار لتمويل التنظيمات الإرهابية.

إدارة الملفات من خلف الستار وشبكات الواجهات الوهمية

على عكس العديد من قيادات التنظيم الذين آثروا الظهور الإعلامي، فضّل الإبياري العمل كـ”رجل ظل” يدير مفاصل التنظيم الدولي بدقة بالغة، لا سيما خلال فترة عمله إلى جانب الأمين العام السابق إبراهيم منير الذي تولى منصب القائم بأعمال المرشد منذ أواخر 2020 وحتى وفاته في عام 2022.

تشير المعلومات الموثقة إلى أن الإبياري كان المتحكم الفعلي في اتخاذ القرار، حيث أدار شركات مثل: “نايل فالي ترست” و”علامات ميديا سيرفيسز” المسجلتين في العنوان الشهير 113 كريكلوود برودواي بالعاصمة البريطانية، وهو العنوان الذي طالما شكّل المعقل الرئيسي لإدارة مكاتب التنظيم الدولي في الغرب.

كما أشرف على مواقع إلكترونية ومجموعات بريدية استخدمت لتمرير التكليفات السرية لأقطار التنظيم في شتى أنحاء العالم، متخذًا من هذه الأدوات غطاءً رقميًا وتنظيميًا لإحكام السيطرة على الموارد المالية واللوجستية للجماعة بعيداً عن ملاحقة الأجهزة الأمنية الأوروبية.

تقارير أممية وحقوقية: شبكات تمويل الإرهاب العابر للحدود

تتطابق القرارات الأمريكية الأخيرة مع ما وثقته تقارير صادرة عن لجان مكافحة الإرهاب التابعة للأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية معنية بمتابعة تمويل التنظيمات المتطرفة، والتي أكدت مرارًا أن جماعة الإخوان تعتمد بشكل أساسي على منظومة معقدة من الشركات الوهمية وحسابات الواجهات في أوروبا لتوفير الدعم المالي واللوجستي لشبكاتها الإقليمية، بما في ذلك التنسيق المالي مع تنظيمات مسلحة مثل حركة حماس.

وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن العقوبات المفروضة تستهدف قطع دابر هذه الشبكات المالية عبر حظر التعاملات المصرفية بالكامل، وتجميد كافة الأصول الخاضعة للولاية القضائية الأمريكية، مما يحرم الجماعة من قنوات ضخ الأموال السريّة ويوجه ضربة غير مسبوقة لقدرة التنظيم على المناورة الاقتصادية واستمرار عملياته عبر الحدود.

صراعات النفوذ الداخلي ومعركة السيطرة على الموارد

لم تكن شبكات الإبياري المالية بمعزل عن الأزمات والصراعات التنظيمية العميقة التي عصفت بجماعة الإخوان عقب سقوط حكمها في مصر عام 2013 وتصاعد الانقسامات الداخلية بين جبهتي إسطنبول ولندن.

ففي عام 2025، تجددت الصراعات الحادة حول السيطرة على أموال رابطة الإخوان المصريين في الخارج ومكاتبها الأوروبية، حيث حاول أطراف مثل السعدني أحمد الاستحواذ على التمويل الشهري، إلا أن الإبياري استخدم نفوذه وشبكاته الواسعة لانتزاع تلك المكاتب وإعادة ربطها بقطاع أوروبا التابع للتنظيم الدولي.

هذا الصراع الشرس على الموارد المالية لم يكن سوى جزء من طموح الإبياري الأكبر للوصول إلى منصب القائم بأعمال المرشد العام بعد انتهاء فترة صلاح عبد الحق في نوفمبر 2026، وهو الطموح الذي اصطدم بمعارضة شرسة من قيادات أخرى مثل حلمي الجزار ومحيي الدين الزايط الذين استخدموا ورقة “الجنسية النمساوية” و”موقع التنظيم الدولي” للحد من نفوذه الداخلي، قبل أن تحسم العقوبات الأمريكية الجدل برمته وتضع حداً نهائياً لأسطورة “رجل الظل”.

تستند التحركات الدولية الأخيرة ضد شبكات جماعة الإخوان إلى أرشيف طويل من التوثيق الأممي والحقوقي الذي حذر مرارًا من خطورة الاعتماد على “بنوك الخفاء” والشركات الوهمية في العواصم الأوروبية لتمويل الأنشطة العابرة للحدود.

وتؤكد تقارير لجان مكافحة الإرهاب التابعة للأمم المتحدة، أن التنظيمات المتطرفة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، طورت منظومة مالية معقدة تعتمد على شبكات غير ربحية وواجهات تجارية لتمرير الأموال بعيدًا عن الرقابة المصرفية المباشرة، وهو ما تجسد بوضوح في القرار الأخير لوزارة الخزانة الأمريكية بإدراج القيادي محمود الإبياري وشبكاته على قوائم العقوبات، بتهمة توفير الدعم المالي واللوجستي لشبكات التنظيم وحركة حماس.

تأتي هذه الخطوة لتتطابق مع التحقيقات الاستخباراتية التي أثبتت تورط قيادات التنظيم الدولي في استغلال الملاذات الآمنة ببريطانيا والنمسا لإدارة حسابات سرية، مما يشكل نقطة تحول كبرى في تفكيك البنية الاقتصادية للجماعة ومحاصرة أموالها المجمدة على المستوى الدولي.